الرئيسية » المدونة » اتساع الصراع في الشمال السوري: صدام مشروعين أم مصالح؟

اتساع الصراع في الشمال السوري: صدام مشروعين أم مصالح؟

تحوّل الشمال السوري الخاضع لفصائل المعارضة، إلى ميدان مواجهات مفتوحة على كل الاحتمالات، بعد تدخّل “هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقاً) في الصراع وتقدّمها باتجاه مدينة عفرين، في استغلال واضح للاقتتال الأخير بين هذه الفصائل لتوسيع دائرة نفوذها.

ودارت أمس الأربعاء اشتباكات وُصفت بـ”العنيفة” بين “تحرير الشام” من جهة، وفصائل سورية معارضة، أبرزها “الجبهة الشامية”، والتي كانت قد شرعت أول من أمس الثلاثاء، في قتال فصيل “فرقة الحمزة” بعد ثبوت تورط قادة فيه في اغتيال ناشط إعلامي في مدينة الباب شمال شرقي حلب قبل أيام.

تقدم “هيئة تحرير الشام” باتجاه عفرين

وسيطرت “هيئة تحرير الشام” صباح أمس، على قرى تابعة لعفرين، في ظلّ استنفار فصائل وتشكيلات معارضة أبرزها “الجبهة الشامية”، و”حركة البناء والتحرير”، للتصدي لقوات “الهيئة” التي كما يبدو تريد التوغل باتجاه مدينة عفرين.

وذكرت مصادر محلية أن الاشتباكات دارت على محاور عدة في الشمال السوري، أبرزها محور جنديرس في ريف عفرين، ومحور الباسوطة وعين دارة في ذات الريف، حيث تحاول الهيئة التقدم.

وبيّنت أن اقتتالاً جرى على محور سوسيان في ريف حلب الشمالي الشرقي بين فصيلي “الحمزة” و”أحرار الشام” من جهة، وبين الفيلق الثالث الذي تتبع له “الجبهة الشامية”، من جهة أخرى.

سيطرت “هيئة تحرير الشام” صباح أمس، على قرى تابعة لعفرين

ضحايا وحركة نزوح جراء اقتتال الفصائل السورية

وقالت مصادر محلية لـ”العربي الجديد”، إن امرأة قتلت جراء إصابتها بشظايا قذيفة سقطت على منطقة برج عبدالو في ناحية عفرين أثناء الاشتباكات العنيفة بين “الجبهة الشامية”، وهي أكبر تشكيلات “الجيش الوطني”، و”تحرير الشام” في محور قرية قرزيحل، حيث سيطرت الهيئة على القرية، فيما كانت تدور اشتباكات بين الطرفين في محور قرية ترندة.

وأسفر الرصاص والقذائف الطائشة عن جرح مدنيين، كما أسفرت الاشتباكات، بحسب المصادر، عن مقتل 4 من عناصر “تحرير الشام” التي كانت تحاول التقدم أيضاً في ناحية معطبلي، بالتعاون مع فصيل “سليمان شاه” إضافة لسقوط جرحى من الطرفين.

وذكرت المصادر أن تعزيزات من “لواء المعتصم” وصلت إلى خطوط “الجبهة الشامية” في محيط عفرين، آتية من ناحية مارع لمؤازرة الأخيرة التي تنتمي لـ”الفيلق الثالث” في الجيش الوطني.

وتسببت الاشتباكات بنزوح المدنيين من مخيم “كويت الرحمة” إلى مناطق في ناحية أعزاز، وذلك تزامناً مع تقدم مقاتلين من “فرقة الحمزة” إلى قريتي الباروزة وثلثانة بناحية أخترين شمالي حلب، واشتباكات في قرية المسعودية.

قُتلت امرأة جراء إصابتها بشظايا قذيفة، وأصيب آخرون

وفي وقت سابق أمس، سيطرت “الجبهة الشامية” على جميع مقرات “فرقة الحمزة” بمدينة الباب وقريتي ليلوه والغندورة شرقي حلب، كما سيطرت على قرى فريرية وكفرزيت وكوكبة وتل حمو وبابليت وتللف بناحية عفرين شمالي غربي حلب، وعلى قرية دابق بناحية أخترين، شمالي حلب أيضاً.

كما سيطرت الجبهة على مقرات لفصيل “سليمان شاه” في الشمال، منها مقر في قرية الغندرية بريف مدينة جرابلس. والفصيل الأخير الذي يساند “فرقة الحمزة”، يسيطر على جانب كبير من ريف عفرين. من جهتها، سيطرت الأطراف الأخرى على قرى راجا ومستكا وشكاتكا بناحية عفرين وتل بطال شمالي حلب.

وتسببت الاشتباكات المستمرة بحركة نزوح في مخيمات منطقة أطمة وعفرين ودير بلوط، بحسب فريق منسقو الاستجابة، الذي أكد تسجيل إصابات بين المدنيين في مخيمات دير بلوط والمحمدية بريف حلب الشمالي، نتيجة سقوط مقذوفات على المخيمات وحصار المدنيين داخلها.تقارير عربية

توجه لتفكيك “الحمزات”… مقدمة لضبط الأمن بالشمال السوري؟

وكانت الاشتباكات قد بدأت مساء الإثنين بعدما أعلن “الجيش الوطني” المعارض القبض على المشتبه فيهم بتنفيذ عملية اغتيال الناشط محمد عبد اللطيف الملقب بـ”أبو غنوم”، بعد متابعة استمرت ثلاثة أيام عبر كاميرات المراقبة داخل مدينة الباب. وانتشرت تسجيلات تتضمن اعترافات المقبوض عليهم باغتيال “أبو غنوم” بأوامر مباشرة من قادة أمنيين في فصيل “فرقة الحمزة”.

وكان اغتيال الناشط أبو غنوم هو السبب المباشر للاقتتال واسع النطاق الذي يجري في الشمال، إلا أن هناك العديد من الأسباب غير المباشرة لعل أبرزها تغوّل بعض الفصائل على المدنيين، والتعدي المستمر على ممتلكاتهم خصوصاً في منطقتي الباب وعفرين، وتحديداً من قبل فصيلي “الحمزة”، و”سليمان شاه”.

سيطرت “الجبهة الشامية” على جميع مقرات “فرقة الحمزة” بمدينة الباب

تحالفات جديدة بين فصائل المعارضة السورية

وبيّنت مصادر مقربة من “الجيش الوطني”، لـ”العربي الجديد”، أن الاقتتال الحاصل “فرز تحالفات جديدة بين الفصائل”، موضحةً أنّ التحالف الأول يضم الفيلق الثالث وعلى رأسه “الجبهة الشامية”، و”حركة التحرير والبناء” التي تضم العديد من الفصائل أبرزها “أحرار الشرقية”.

وتابعت أن التحالف الثاني يضم “فرقة الحمزة” والمعروفة بـ”الحمزات”، وفرقة “سليمان شاه” والمعروفة بالعمشات (نسبة إلى متزعمها المدعو محمد الجاسم أبو عمشة)، و”هيئة تحرير الشام”، وفصيل “أحرار الشام”، بينما بقيت هيئة “ثائرون” والتي تضم “فيلق الشام” و”فرقة السلطان مراد” على الحياد.

وأوضحت أنّ الحلف الأول يريد الاقتصاص من قتلة الناشط أبو غنوم ومن ثم اجتثاث فصيل فرقة الحمزة بشكل كامل، بينما يرفض الحلف الثاني توسع “الجبهة الشامية” والفصائل التي تساندها على حساب “فرقة الحمزة”.

وأشارت المصادر إلى أنّ “هيئة تحرير الشام” تستغل الأوضاع في ريف حلب لـ”التمدد”، مشيرةً إلى أن “الهيئة موجودة أصلاً في مناطق المعارضة من خلال عدة فصائل موالية لها”. وتابعت ن “(أبو محمد) الجولاني (قائد هيئة تحرير الشام) يهدف إلى السيطرة على كل المعابر في الشمال السوري حتى تلك الموجودة في مناطق فصائل المعارضة”.

الجولاني يهدف إلى السيطرة على كلّ المعابر في الشمال السوري

صراع بين مشروعين في الشمال السوري

وتشي التطورات المتلاحقة في الشمال السوري، بأن هناك صراعاً واسعاً بين مشروعين؛ الأول مشروع “هيئة تحرير الشام” والفصائل التي تدور في فلكها والمرفوض من قبل غالبية السوريين كونه ليس مشروعاً وطنياً، والثاني مشروع “الجبهة الشامية” التي ما تزال تحظى بثقة الحاضنة الشعبية في الشمال كونها لم تنخرط في الانتهاكات التي جرت بحق المدنيين، فضلاً عن كونها تطرح مشروعاً وطنياً بعيداً عن كل المشروعات العابرة للحدود.

وفي هذا الصدد، رأى مدير وحدة تحليل السياسات في مركز “الحوار السوري” محمد سالم، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “هناك بالفعل صداماً بين مشروعين في الشمال السوري”، مشيراً إلى أن “الفيلق الثالث، ونواته الصلبة الجبهة الشامية، هم الأقرب للحالة الشعبية حالياً”.

وتابع: “لا تزال الجبهة الشامية تملك رصيداً من الدعم الشعبي والاستقلالية، ولديها القدرة على ما يبدو على فرض نفسها على باقي الفصائل في المنطقة، خصوصاً على فصيلي الحمزات وسليمان شاه، وهما من الفصائل ذات السمعة السيئة في الشمال السوري”.

وأشار سالم إلى أنّ “تقدّم الجبهة الشامية على حساب الفصيلين المذكورين أثار مخاوف تحرير الشام، ودفعها لمحاولة منع هذا الإخلال في التوازن من خلال إرسال التعزيزات إلى عفرين والاشتباك مع الفيلق الثالث”.

ورأى أن “الهيئة تتطلع إلى التمدد إلى مناطق شمال حلب وعفرين”، معتبراً أن “الخاسر الأكبر من كل ما يجري من اقتتال وعدم وجود استقرار، هم أهالي المنطقة الذين تزداد معاناتهم بسبب هذه الاشتباكات”.

الفرحات: يجب أن تكون هناك وجهة أمنية واحدة تضبط السلاح المنفلت حالياً

ضبط السلاح في الشمال السوري

من جهته، أعرب المحلل العسكري العميد مصطفى الفرحات، في حديث مع “العربي الجديد”، عن صدمته بما يجري من اقتتال بين الفصائل في الشمال السوري، قائلاً إنه “من المفترض أن يكون الشمال نموذجاً مختلفاً تماماً عما هو عليه اليوم”.

ورأى أن “الفصائلية هي السبب الرئيس لتدهور الأوضاع الأمنية في مناطق سيطرة المعارضة”، مضيفاً أنه “يجب أن تكون هناك قوة مركزية وجهة أمنية واحدة تضبط السلاح المنفلت حالياً، فالوضع الحالي لا يبشر بالخير”.

واعتبر أن “النموذج الموجود في شمال شرقي سورية (في إشارة إلى قوات سورية الديمقراطية) ناجح إلى حد كبير، بينما النموذج في شمال سورية مختلف”.

ولفت إلى أنه “ليست هناك قوة واحدة قادرة على حسم الأمور لصالحها بما فيها هيئة تحرير الشام المصنفة ضمن خانة التنظيمات الإرهابية حتى في تركيا”، مضيفاً “لا أحد يريد لها ابتلاع فصائل المعارضة السورية”.

ورأى الفرحات أن أيادي النظام “تعبث في مناطق الشمال السوري الخاضع لفصائل المعارضة، وهناك اختراق من قبل النظام في العديد من المجالات، لا يمكن تفاديه إلا بضبط السلاح من خلال جهة أمنية وعسكرية واحدة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *