الرئيسية » المدونة » التحكم بالفوضى أردنيا

التحكم بالفوضى أردنيا

التحكم بال

لا يعرف التاريخ البشري تحولا جرى بطريقة هندسية منظمة، لا في الغابر من العصور ولا في الحاضر؛ إذ تتحكم به عناصر مركبة متداخلة يصعب التحكم بها، وتسود حال من الفوضى يمكن تقصير مداها والتقليل من أضرارها، بقدر ما يمكن أن تتدهور إلى انقسام واحتراب أهلي. في الربيع العربي، دخل الأردن مرحلة تحول تشوبها فوضى يصعب إنكارها، والواجب على الدولة والمجتمع التنبه والتعامل معها لا إنكارها.
في فوضى البلديات يمكن ملاحظة عمق التحول الراهن. بالمقارنة مع انتخابات 2007 التي أجرتها حكومة معروف البخيت، نجد كيف غدا الشارع يتحرك باندفاع تشوبه رعونة وتهور أحيانا، احتجاجا على اجتهاد إداري، سواء كان مصيبا أم خاطئا. وهو الشارع ذاته الذي استكان من قبل للتزوير المريع، والذي اقتصر الاحتجاج عليه في بيانات المركز الوطني لحقوق الإنسان وجبهة العمل الإسلامي وبعض الإعلاميين.
محافظ العاصمة قبيل الربيع العربي كان يتمتع بصلاحيات استثنائية تمنع جبهة العمل الإسلامي من إقامة حفل تأبين للبرلماني العريق يوسف العظم، لا التظاهر أمام مجلس النواب ومقر الحكومة. التحول المفاجئ أربك الجميع، وخصوصا الدولة التي بنت ممارستها على أساس التحكم التام بحركة الشارع، وعطلت حقوقه الطبيعية والدستورية في الاعتصام والتظاهر ووسائل الاحتجاج السلمي.
لم يمارس القمع ضد جبهة العمل الإسلامي وحدها، بل نال كل متحرك في الفضاء العام الذي احتكرته الدولة. تمرد السجون قمع بقسوة، إضراب عمال الميناء وأي محاولة للاحتجاج كانت تواجه بالقمع لا بالحوار. مؤشر الخوف الذي كان يرصده استطلاع الديمقراطية السنوي في مركز الدراسات الاستراتيجية استقر بحدود الثمانين بالمئة.
تلك النسبة الغالبة ممن كانت تخشى التعبير عن رأيها تجد نفسها اليوم بلا قيود، تتكلم وتتحرك بدون خشية العواقب. هذا ما كان يجب أن يكون لها حقا طبيعيا. إن الشره نتيجة للجوع، واللوم لا يقع على من يهجم على المائدة بل على من جوّعه.
الحراك الإصلاحي يحتاج إلى ضوابط أخلاقية بالمقام الأول، ولا يحق لأحد منع الناس من حقوقهم الطبيعية في الاحتجاج. الضوابط الأخلاقية التي يجب أن ترسخها المعارضة قبل الدولة هي السلمية والابتعاد عن العنف، وتجريم الدعوات العنصرية الانقسامية سواء في العلاقة الأردنية-الفلسطينية أو علاقات العشائر والجهات والبلدات فيما بينها.
تلك الأخلاقيات تتحكم، نسبيا، بالفوضى. وهي ستترسخ مستقبلا تقاليد يصعب تجاوزها. لعل أسوأ ما شهده الحراك الإصلاحي الأردني ظاهرة البلطجة، وهي عنف مارسه مؤيدو الحكومة ضد النشطاء والصحفيين، سواء كان بتوجيه أم تواطؤ أم عجز عن وقفهم. ورافقه عنف من الأجهزة الأمنية، سواء في 24 آذار أم ساحة النخيل. وذلك العنف كان رافدا أساسيا في مجرى الفوضى.
يعول على المعارضة أكثر مما يعول على الحكومة في ترشيد الحراك الإصلاحي الذي سيصل مداه. ليس مهما إلقاء اللائمة على أحد، المهم أن تحتوى الظاهرة، وانفلاتها هو هدف لأعداء الإصلاح الذين يريدون ترهيب الناس من الديمقراطية التي تجلب الفوضى.

فوضى أردنيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *