الرئيسية » المدونة » الثورة الباهتة في تونس.. هل هذا طبيعي؟

الثورة الباهتة في تونس.. هل هذا طبيعي؟

وصفت الثورة الإسلامية في إيران بأنها ثورة الشيخ والصبيان، إذ لحق الشباب الغاضب في إيران برجل الدين الراديكالي الذي يكبرهم أجيالاً. في تونس، حصل العكس، لحق الشيوخ بثورة الصبيان التي فاجأتهم، سواء من نخب سياسية خارج النظام تاريخياً، أم ممن كانت جزءاً منه وأساساً من أساساته، وحلوا مكان الشباب في العملية السياسية التي بات حضورهم فيها باهتاً.
في زيارتي تونس أخيراً، تصادف أن كان لي موعد في شارع الحبيب بورقيبة، عندما أغلق الشارع في وجه السيارات. ظن بعضهم أن الشارع أغلق بسبب انهيار صحة الرئيس الباجي قايد السبسي، وتحسباً لحال طوارئ تتخذ في مثل هذه الأحوال، أو أن عملاً إرهابياً وقع. تبيّن أن الرئيس الشيخ نجا من الموت الذي عاجل الانتحاري الشاب الذي فجّر نفسه في دورية شرطة.
عادت الحياة بسرعة إلى شارع الحبيب بورقيبة. لم نشهد مسيرات استقطابية، كما حصل عند واقعة اغتيال شكري بلعيد وغيرها من العمليات الإرهابية. كان التعامل السياسي والإعلامي والأمني هادئاً، كما هي الحال قبل مرض الرئيس والتفجير الإرهابي. تعاطفت الناس مع الرئيس في مرضه، ودانت العمل الإرهابي وواصلت سيرها البطيء نحو الانتخابات. وكان الحرص على أن يواصل الرئيس مهماته معافى، ليسلم السلطة إلى من بعده، حرصاً على سلاسة العملية الانتخابية، وترسيخاً لفرادة تونس في العالم العربي التي تنتهي فيها الرئاسة قبل انتهاء الحياة.
تفتقد العملية الانتخابية المقبلة، على أهميتها، الحماسة والاهتمام، فالقوة الأساسية، حركة النهضة، تصف نفسها على لسان شيخها، راشد الغنوشي، بأنها “أقوى الضعفاء”. وهي تنوي مواصلة تحالفاتها مع حزب نداء تونس، المنقسم بين نجل الرئيس ورئيس الوزراء يوسف الشاهد، فضلاً عن القوى الديمقراطية الحليفة. هذا العزوف عن السياسة مكّن قوىً فوضويةً شعبويةً من تحقيق اختراقٍ، كما حصل مع صاحب قناة تلفزيونية عمل جمعية خيرية تخلّد ابنه المتوفى، ثم جيّرها للمنافسة السياسية. ولكن تونس تمكّنت بالقانون من السيطرة على الظاهرة، وعمل المشّرعون على قانونٍ يحظر الخلط بين الخيري والسياسي، ويشترط التفرغ للعمل السياسي قبل عام، والانقطاع عن العمل الخيري في حال ذلك.
هُزم الإرهاب في تونس، تماماً كما هُزم النظام الاستبدادي السابق، وهُزم التطرّف عموماً في بلدٍ حقّق تعايشاً وسط النخبة السياسية، وفي المجال الاجتماعي والثقافي على السواء. وبرأي الغنوشي، فإن “النظريات العالمية في التحول الديموقراطي تقول إن إجراء انتخابات نزيهة أربع مرات دليلٌ على نجاح التحول”، ولا يوجد في تونس من يشكّك اليوم في نزاهة الانتخابات، المشكلة في الحماسة، لا النزاهة.
تخلو تونس اليوم من المستبدّين والإرهابيين، تماماً كما تخلو من المناضلين السياسيين، تجد نفسك أمام مناضلين تحوّلوا إلى موظفين في المجال العام. شباب الثورة مشغولون بتحديات حياتهم اليومية، في ظل وضع معيشي صعب. من قابلتهم يفيضون حماساً غداة الثورة هم اليوم مشغولون بتأمين حياة أسرية، أو العمل على بنائها. فخورون بما حققوا، لكنهم محبطون من الوضع العام. يقدّرون نعمة الحرية، لكنهم يفتقدون نعمة الاقتصاد.
لا يوجد شابٌّ يمتلك فرصة في الانتخابات الرئاسية، وتأثير الشباب في المجلس النيابي محدود. خلافاً لصبيان الخميني الذين تمكّنوا من مفاصل الدولة بعد الثورة. عندما تنظر إلى إيران اليوم، تسأل: هل كان أفضل لإيران أن تنعم بشيخين، كالسبسي والغنوشي، يبنيان جسراً بين الثورة والدولة، أم أن تونس كانت تستحق ثورةً تقتلع دولة الاستبداد، وتسلمها للحرس الثوري؟ هذا سؤال تاريخي لا يُجاب عليه الآن. ولكن من المهم أن يدرك الساسة في تونس خطورة غياب الشباب عن العملية السياسية. يقول الشيخ راشد “نعمل على التشبيب والتأنيث”. وهذا هاجس القوى السياسية جميعاً، وإلا فإن الإرهاب والعبث والفوضى هي المساحة المتبقية للشباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *