الرئيسية » المدونة » العبث بالدستور التونسي… تمهيد لإعادة الاستبداد من بوابة النظام الرئاسي

العبث بالدستور التونسي… تمهيد لإعادة الاستبداد من بوابة النظام الرئاسي

يتفاقم الجدل القانوني والسياسي في تونس بعد المؤشرات بشأن نوايا الرئيس قيس سعيّد، بالتوجه نحو تعليق العمل بالدستور أو تعديله، وذهابه نحو إرساء نظام رئاسي، وسط تحذيرات من عودة تونس إلى مربع الاستبداد. وعلى الرغم من إعلان سعيّد أول من أمس السبت، في تصريحات لوسائل إعلام، “احترامه للدستور وللشرعية”، لكنه أرفق ذلك بالقول إن “ذلك لا يمنع من إدخال تعديلات على نصّ الدستور”، معتبراً أن “الشعب سئم هذا الدستور ومن حقّه أن يعبر عن إرادته”. وبدت كلمات سعيّد أخف وطأة من تصريحات مستشاره، وليد الحجام، الذي أفصح الأربعاء الماضي، عن نوايا تعليق العمل بالدستور التونسي، وإصدار قانون منظم للسلطات العمومية، يرسي نظاماً سياسياً رئاسياً، الأمر الذي أثار حفيظة غالبية الأحزاب، وعمّق مخاوفها ومخاوف الخبراء في القانون الدستوري، من عودة الاستبداد عبر نافذة النظام الرئاسي من جديد.

ينظم الباب الثامن من الدستور مسار تعديله، على أن تنظر فيه المحكمة الدستورية

واعتبر عمر الشتوي، رئيس اللجنة التأسيسية التي صاغت النظام السياسي في دستور عام 2014، أن “تعليق العمل بالدستور هو إجراء غير دستوري، فحتى الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، في نظام ديكتاتوري، لم يعلقا العمل بالدستور”، موضحاً أنه “بهروب بن علي في عام 2011، اجتمع البرلمان وأوجد مخرجاً دستورياً، وفوّض سلطاته للرئيس المؤقت فؤاد المبزع، لحلّ مجلس النواب وإصدار تنظيم منظم للسلطة العمومية”. وشدد الشتوي، في حديث لـ”العربي الجديد”، على أن” أي تعديل دستوري خارج عن الإجراءات المنظمة في الدستور يعد انقلاباً”.تقارير عربية

تونس: قاعدة داعمي سعيد تتآكل ودعوات للتظاهر ضد الانقلاب

واعتبر الشتوي أنه ينبغي على سعيّد أن “يقدم مقترحه ويتم التداول حوله في حوار وطني، ويتم اعتماد الإجراءات الدستورية”، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن “أحداً لا يقول إن الدستور محصن من التعديل”. وحول ذلك، قال إن “الدستور التونسي قابل للتعديل على غرار جميع دساتير العالم، من خلال تقديم مشروع تعديل من قبل رئيس الجمهورية أو مجموعة من النواب، وهذا المسار منظم في الباب الثامن من الدستور”. وأوضح الشتوي أن “هذا الأمر يتطلب تركيز المحكمة الدستورية التي تنظر في مشروعية التعديل الدستوري، وعدم مخالفته للقواعد المحظورة من التعديل على غرار مدنية الدولة والحقوق والحريات، وتمديد في مدد ولاية رئيس الجمهورية”.

ولفت رئيس لجنة السلطتين إلى أن “تعديل الدستور يحتاج إجماعاً، على غرار الشرعية التي اكتسبها دستور 2014 الذي تمّت المصادقة عليه بإجماع أعلى حتى من دستور 1957، وذلك بموافقة 200 نائب من أصل 216، وهي تعد أعلى أغلبية تصويت عرفها”، مؤكداً أن لهذا الدستور مشروعية واسعة، بحيث لم يكن هناك حزب أو تيار سياسي، حتى من المعارضة، خارج الإجماع على دستور 2014. وبيّن الشتوي أن “تعديل الدستور يحتاج نقاشاً واسعاً حول المقترح، مقارنة بدستور 2014 الذي استغرق عامين ليتم وضعه بشكل تشاركي، مبيناً أن المداولات البرلمانية حينها “كانت علنية، وشاركت فيها المنظمات والهياكل، بحضور الصحافة والإعلام، حيث تم الاستماع إلى مواقف وآراء مختلف السلطات والهيئات والتيارات السياسية ووزراء سابقين”. كما أشار إلى أنه “تمّ حينها تخصيص أكثر من 450 اجتماعاً شعبياً مفتوحاً، شارك فيه المواطنون العاديون، لإبداء رأيهم في الدستور، مع رفع تقرير عن المقترحات وحوصلتها، أخذاً بالاعتبار لمقترحات المواطنين”.

ولفت الشتوي إلى أن “تعديل الدستور ليس من حاجيات (جزء من) الشعب الذي احتج في 25 يوليو/تموز الماضي، من أجل مطالب اجتماعية واقتصادية، علماً أن تعديل الدستور يحتاج إلى وقت طويل على حساب هذه المطالب”. وحذّر من أنه “بتعليق أو إلغاء دستور 2014، سيكون رئيس الجمهورية غير آمن، لأنه سيصبح بلا شرعية، إذ يمكن لأي كان أن يأتي ليهدد سلطته التي يحميها الدستور”، لافتاً إلى أن هذا الدستور “هو ضمانة للرئيس ووسيلة لحمايته ولتأمينه”. وفي سياق ذلك، ذكّر الشتوي بأن “توزيع السلطات وتقاسم المسؤولية هما من مصلحة الرئيس، ويبعدانه عن الاستهداف من أي مؤامرات أو تهديدات”.

حظي دستور 2014 بإجماع واسع في تونس، وتطلب العمل عليه سنتين

وحول اعتماد الرئيس الاستفتاء لتعليق الدستور أو تعليقه، اعتبر الشتوي أن “نسب الخطأ في الاستفتاء، على الرغم من وعي المجتمعات الديمقراطية، تصل إلى 20 في المائة، لأن الاستفتاء غير مسبوق بمداولات ديمقراطية حتى يعرف الشعب الرأي والرأي المخالف، وحتى يتبين الحكمة في اختيار نعم أو لا”.  وبرأي الشتوي، فإن “الاستفتاء وسيلة حكم في الديكتاتوريات، وقد اعتمدته الأنظمة الديكتاتورية أكثر من الديمقراطية، فـ(الزعيم النازي أدولف) هتلر استعمل الاستفتاء خمس مرات خلال فترة وجيزة، وهو ما حصل أيضاً خلال حكم بينوشيه في تشيلي”.

وحول المخاوف من العودة إلى النظام الرئاسي، ذكّر الشتوي بأنه خلال “مداولات الدستور، كانت الأغلبية رافضة لوضع نظام رئاسي، وتم إرساء نظام سياسي مختلط يراعي المرور السلس من نظام رئاسي مركز إلى نظام يراعي توزيع السلطات ومركزية الدولة”، مبيناً كذلك أن “تونس غير مهيأة لنظام برلماني صرف على غرار بريطانيا أو ألمانيا مثلاً، لأنه ليس هناك أحزاب قوية”. واستغرب الشتوي “رفض النظام السياسي والدعوة إلى تعديل الدستور من دون تجربة النظام السياسي وتفعيله”، مشيراً إلى أن “الرئيس سعيّد شارف حكمه السنتين، ولم يقدم أي مبادرة تشريعية التي تعد من أهم صلاحياته التي تحظى بالأولوية حتى على مبادرة الحكومة والنواب”. وتساءل: “كيف يقال إن النظام السياسي الحالي عطّل الحكم من دون تجربته وتفعيله بالكامل؟”، علماً أن “صلاحيات رئيس الجمهورية في دستور 2014 أكبر من صلاحيات الحكومة، على غرار قيادة الجيش والدبلوماسية والأمن القومي وأولوية المبادرة”. وفسّر الشتوي التخوف من ذهاب سعيّد إلى فرض نظام رئاسي، بتأكيده أن “النظام الرئاسي ثار عليه الشعب في 2011، وهو النظام الأقرب للاستبداد، والتاريخ التونسي كشف أنه (بهذا النظام) يتم انتخاب رئيس، لكنك تجد حكاماً آخرين من المحيطين به”.

ويشترك غالبية خبراء القانون الدستوري في تونس، في هواجس المسّ من المكاسب التي جاء بها دستور 2014 وخصوصاً في ما يتعلق بالحقوق والحرّيات، من خلال تعليق الدستور أو الانفراد بوضع نصّ بديل له يتم الاستفتاء عليه. وفي هذا الإطار، اعتبرت أستاذة القانون الدستوري حفيظة شقير، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “الإشكال اليوم يكمن في الغموض حول توجه الرئيس نحو تجميد العمل بالدستور أو نحو تعديله”، مشيرة إلى أنه “في حال فرضية تعليق الدستور، وبتقديم قانون منظم للسلطات العمومية، فإن ذلك يولد مخاوف حقيقية”. وحول مخاوفها، قالت إنه “بقدر تفهم الحاجة لتعديل أحكام الدستور المتعلقة بتسيير السلطة السياسية، وتحديد العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بقدر خوفي على جميع المكاسب التي ناضلنا من أجلها في ما يتعلق بالحقوق والحريات وبطبيعة الدولة المدنية”. وشدّدت على أن “المسّ بالحقوق والحرّيات في الدستور خطير جداً، فيمكن تنقيح الدستور بمنح سلطة أكبر لرئيس الجمهورية، وهو أمر ممكن دون تجميد الدستور الذي سنفقد به مكاسب البابين الأول والثاني (الحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثقافية والتضامنية وحقوق الفئات الهشّة)”. وأكدت على أنه “لا يمكن التراجع عن هذه المكاسب التي تحمي حقوق الإنسان بهذه السهولة، بل”يجب حمايتها والحفاظ عليها، ما يعني أنه ليس كلّ الدستور غير مقبول”. وبرأيها، فإن سعيّد “على ما يبدو، يتجه إلى إصدار مراسيم لتنظيم السلطة العمومية أو في شكل أوامر رئاسية، في حالة تعليق البرلمان والشغور الواقع”، لافتة إلى أن “الحلول والآليات حول ذلك ممكنة”.

يخشى خبراء من فقدان مكاسب الحريات التي أرساها دستور 2014، ويحذرون من التحول إلى نظام رئاسي

وحول رفض إرساء نظام رئاسي، وضعت شقير رفض الأحزاب في خانة “الخوف من التجارب السابقة”، مشيرة إلى أن “التخوف يكمن في تحول النظام الرئاسي إلى نظام سلطوي على غرار تجربة بن علي”. ولفتت إلى أن هذا يفسّر اختيار “نظام مجلسي يلعب فيه المجلس دوراً رئيسياً في البلاد في دستور 2014 الذي وضع الهيئات الدستورية المستقلة تحت سلطة المجلس الذي ينتخبها، ما أفرز محاصصة حزبية أفقدت أعضاء هذه الهيئات استقلاليتهم”، بحسب رأيها.

وفي السياق، اعتبر خبراء في القانون الدستوري أيضاً أن تعليق الدستور أو إلغاء العمل به، يفقد الرئيس سعيّد غطاءه القانوني وأرضية إجراء استفتاء على تعديل الدستور. ورأت أستاذة القانون الدستوري، منى كريم الدريدي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “النظام الرئاسي هو نظام يقوم على التوازن المطلق بين السلطات، حيث يتولى رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية ولا شيء غيرها، في حين يقوم البرلمان المنتخب بالوظيفة التشريعية ولا شيء غيرها”. وأضافت أن “النظام الرئاسي نجح في الولايات المتحدة، غير أن كل محاولات تقليده أدّت إلى تحويله إلى نظام رئاسوي يقوم على الهيمنة المطلقة لرئيس الدولة على كامل السلطات، فيتحول بذلك من رئيس للسلطة التنفيذية الى رئيس لكل السلطات داخل الدولة”. وبيّنت أستاذة القانون الدستوري أن “إرساء نظام رئاسي لا بد أن يكون مشفوعاً بضوابط عدة، أهمها إرساء محكمة دستورية أولاً، وإرساء نظام محاسبة، أي تحميل المسؤولية السياسية لرئيس الجمهورية على خرق الدستور”. وشدّدت على أن “تعديل الدستور، إما أن يتم من داخل الأطر الدستورية وهو ما يتناغم مع تصريحات رئيس الجمهورية من أنه سوف يعمل داخل إطار الدستور، أو أن يتم من خارجها، وهو ما يتطلب حواراً جامعاً”. وقالت الدريدي: “لا للدستور المسقط، ولا للرؤية الواحدة، ويجب عدم استسهال عملية تنقيح الدستور أو تعليقه، لأن كل حاكم جديد سوف يأتي بدستور جديد على المقاس”، مشيرة إلى أن “النص الدستوري لا بد أن يحافظ على نوع من القدسية والعلوية”. ونبهت من “مغبة إلغاء العمل بالدستور، أو تعليقه، ما يؤدي إلى تعليق العمل بكل ما انبثق عن الدستور، أي كل السلطات والمؤسسات”.

وشرحت خبيرة القانون الدستوري هناء بن عبدة، في تصريحات صحافية، أن “الحديث عن تعليق الدستور لا يمكّن من العمل بالبند 80 الذي ورد فيه (الإجراءات الاستثنائية في حال “الخطر الداهم”)، لأنه يتحول إلى تعارض بين الإجراءات في هذه الحالة”. وأشارت إلى أن”الاستفتاء أيضاً “يستوجب سنداً دستورياً للقيام به، وهذا السند هو البند 3 من الدستور الذي يرجح لجوء الرئيس لاعتماده، وبالتّالي سيتعارض هذا الإجراء أيضاً مع تعليق الدستور”. واستغربت بن عبدة “أسباب تعليق الدستور الذي لا يتضمن النظام السياسي فقط، والذي يعد معلقاً وفق البند 80، بل يشمل أيضاً المبادئ العامة وباب الحقوق والحرّيات وتنظيم السلطة القضائية والهيئات الدستورية”. واعتبرت أن “تعليق الدستور من دون تقديم بديل يربط بين النظامين الجديد والقديم، هو مشكلة أيضاً”، إذ إن “المنطق في هذه الوضعية، يفرض تعديل الدستور لا تغييره، حيث لا يمكن الاستناد للإرادة الشعبية فقط في عمل رئيس الجمهورية”. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *