مقالات

العنصريون قنابل موقوتة حيثما كانوا

من الإيجابيات القليلة لنظامي البعث في العراق وسورية، أنهما منحا الفلسطينيين جميع الحقوق المدنية، مع استثناء السياسية وهي الترشح والانتخاب. وفي بلدين لا توجد فيهما انتخابات جدية، كان الفلسطيني بخاصة، والعربي بعامة، يعامل كما المواطن.
بعد انهيار حكم البعث في البلدين وتحولهما إلى الأنموذج الطائفي العنصري، دفع الفلسطينيون الثمن باعتبارهم الحلقة الأضعف. فلسطينيو العراق وصلوا إلى البرازيل، وفلسطينيو سورية يتقاذفهم الموج أحياء وموتى على ضفاف أوروبا.
ليست تلك مأساة الفلسطينيين وحدهم؛ فالعنصرية لا تعرف حدودا. في العراق، تشرد من العرب السنة أضعاف الفلسطينيين؛ والمسيحيون والصابئة واليزيديون يواجهون خطر الانقراض. وبلغت صفاقة النظام الطائفي أن منع هبوط طائرة تحمل جثمان العلامة عبدالكريم زيدان الذي تشرد من بلده وهو في التسعين من عمره، فلم يعد البلد يتسع إلا لطائفة واحدة حاكمة، تستحوذ على المال والجيش والأمن وكل أشكال السلطة، وتمارس أشكال التهجير كافة؛ الخشن والناعم. وكل ذلك تحت مظلة “محاربة الإرهاب”.
فشل البعث في بناء ثقافة قومية. لكنه بالقوة، قسر الناس على “ممارسات” قومية، ارتدت إلى أسوأ أشكال العنصرية، طائفية وعنصرية، مع أول هزة للسلطة.
مقابل الفشل البعثي، نجح الأردن المصنف “رجعيا” من القوى “التقدمية القومية”، في بناء ثقافة قومية ببساطة ومن دون ادعاء؛ وفي إطار معقول من المواطنة دستوريا وقانونيا.
ليس الحديث هنا عن وحدة الضفتين التي ولدت منها المملكة، والحديث عنها يطول؛ بل هو عن التعامل مع “الآخر” غير المواطن، سواء كان عاملا مصريا أو سوريا، أو مقيما فلسطينيا لا يحمل الجنسية، أو لاجئا عراقيا أو سوريا.
ظلت وستبقى النوازع العنصرية موجودة كقنابل موقوتة، يمكن أن تفجرها أزمة سياسية أو مباراة كرة قدم. والعنصرية هي العنصرية؛ تجاه الفلسطيني أو السوري أو العراقي أو غيرهم. والعنصري شخص كريه، يتخيل أن البلد لا يتسع إلا له، وهو يكره من لا يتطابق معه أو لا يشبهه تماما.
ومن يرجع لصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، يلاحظ كيف ضج عنصريون من دول الخليج بخبر إمكانية انضمام الأردن لمجلس التعاون الخليجي. وفي المقابل، شاهدنا في الإعلام مواقف لعنصريين أردنيين ولبنانيين وفلسطينيين لا ترى في الخليج العربي غير صحارى بائسة.
المحافظة على الأنموذج الأردني ضرورة وليست ترفا. ولا يعقل أن تتفلت الأصوات العنصرية عقب كل خطوة تتعلق بالحقوق المدنية لأبناء الأردنيات، أو تطور في مسار التسوية. هذا لا يعني مطلقا أنه ليس من حق الناس أن تناقش أو تعارض، على أسس غير عنصرية، وبلغة محترمة. يجب أن نفهم أولا وندقق في الأرقام في إطار إمكانات البلد: كم عدد أبناء الأردنيات؟ وما هي كلفة استيعابهم؟ وما جنسياتهم الأصلية؟ وكم منهم بلا جنسية؟ وما هي بالضبط الحقوق المدنية الممنوحة؟ لا علاقة بين الحقوق المدنية وبين خطة وزير الخارجية الأميركي جون كيري؛ والربط العنصري بينهما يضر بنا ولا يهدد إسرائيل.
لن تنجح خطة كيري، وهي مجرد حملة علاقات عامة للوزير. لكن العنصريين ينجحون دائما في الاستفزاز وتوتير الأجواء.

[email protected]

abuhilalah@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *