الرئيسية » المدونة » القرضاوي .. العالِم والطاغية

القرضاوي .. العالِم والطاغية

امتلأ مسجد الشيخ محمد بن الوهاب في الدوحة التي ضاقت شوارعها الواسعة بسيارات مودّعي الشيخ يوسف القرضاوي الذي رحل عن 96 عاما، تاركا أكثر من 170 كتابا في الفقه وأصول الدين والتفسير والفكر والشعر. وضجّت برحيله وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي، وهو مستحقٌّ لذلك، بعد عطاء لم ينقطع حتى آخر لحظة من حياته، ومواقف شجاعة ألّفت القلوب من حوله بقدر ما حشدت الأعداء والخصوم.

كان حنيفا عن الباطل مستقيما على الحق. نتعرّف إلى مواقف الشيخ من خلال طيف أعدائه الواسع الذين شمتوا وشتموه بعد وفاته، وسخّروا قدراتهم للكذب والافتراء عليه، مثل قناة سكاي نيوز باللغة العربية وما شاكلها من مواقع وذباب إلكتروني، وهم بذلك عبّروا عن حلفهم الحقيقي مع الإعلام الصهوني الذي وصفه بمفتي الإرهاب، بسبب دعمه المقاومة الفلسطينية والعمليات الاستشهادية. كانت تلك الهجمات شهادة حقٍّ بعد رحيله كما في حياته. ويكتمل الحلف مع باقي المستبدّين والتكفيريين من مداخلة ودواعش، وحلف الشبيحة إيران وبشار الأسد الذين لم ينسوا موقفه من الثورة السورية، ومعهم متطرّفو اليسار والليبرالية الذين يتوقعون من الشيخ أن يفتي بجواز زواج المثليين.

فرقٌ بين الخصومة الشريفة في الفكر والفقه، وهي تتطلّب جرأة في النقد وقوة في الحجّة، وبين الفجور في الخصومة المبني على الافتراء والشحناء والوشاية والتجريح. ومن يسلكون هذا لا يردّون على الكتاب بكتاب وعلى الحجّة بالحجة، وإنما يفترون بتغريدةٍ ومنشور ذبابي مجهول مسنود بجيش إلكتروني. تختلف وتتفق مع الشيخ ‏بحسب الزاوية التي تنظر منها، فقد يكون القرضاوي فقيها مقلّدا ومن زاوية أخرى مجدّدا. ‏الرؤية الشاملة للرجل تجمع بين الاثنين، فهو تقليدي راسخ بعمامته الأزهرية وحفظه القرآن والمتون واتباعه العلماء والفقهاء السابقين، بقدر ما هو مجدد في اختياراته وفتاواه التي تتناسب مع تطوّر العصر. وخلال حياته العريضة المديدة ألّف أحبابا بقدر ما حشد خصوما. بدأ تجديده الفكري في كتابه الذي نال عليه درجة الدكتوراه “فقه الزكاة”، وأحيا فيه فقها يتعلق بأحد أركان الإسلام التي تحقق العدالة الاجتماعية. وفي كتابه الذي أصدره في الثمانينات “الصحوه الإسلامية بين الجحود والتطرّف”، جدّد فقه الوسطية الحنيف عن التطرّف والجحود والنكران. وفي برنامجه “الشريعة والحياة” على “الجزيرة” نشر فقها وسطيا معتدلا في ظل عاديات التطرّف.

واجه الطغاة في حياته منذ الملك فاروق. وفي آخر سنوات حياته عاقبوه باعتقال ابنته سنواتٍ، ولا يزال زوجها معتقلا. ورفض أن يردّ على هذا العنف الذي لاقاه بعنف، وآمن بالمنهج السلمي في الصراع السياسي، لكنه لم يتردّد بتأييد العنف في مواجهة الاحتلال، سواء في فلسطين أو العراق أو أفغانستان. كان هدفا للصهاينة الذين لاحقوا أفكاره وآراءه ورصدوها ليثبتوا أنه معاد للسامية، فيما هو في الحقيقة معاد للصهيونية مؤيد بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة.

‏أول ما عرفته في مسرحية “عالم وطاغية” التي تروي سيرة العالم سعيد بن جبير في مواجهة طغيان الحجّاج، وانتهت بإعدام العالم. والمسرحية من النصوص التي تدل على تجديد القرضاوي، فقد حوّل النص التاريخي الجامد إلى مسرحية وشخوص وأعادها إلى الحياة. لم تبق تلك المسرحية نصا، بل جدّدت في ممارسة الحركة الاسلامية في الثمانينات، وعرضت على مسرح قصر الثقافة في الأردن، ومثّلها طلاب من الجامعة الأردنية. وكان المسرح بالنسبة للإسلاميين مرفوضا، وكذلك استخدام الموسيقى، فيما أحلّهما القرضاوي.

‏ظل المتشدّدون يسخرون من كتابه الجامع “الحلال والحرام في الإسلام”، وهو في نظرهم “الحلال والحلال في الإسلام” نظرا لإباحته أمورا كثيرة حرّمها المتشدّدون، وهو كان يردّد الفتوى “الرخصة من عالم”، فالأصل الإباحة، وما أغاظهم ليس تحليل الحلال، وإنما تحريمه الظلم والطغيان والاحتلال.

يرحل العالم ويرحل الطاغية، والمفارقة أن الشيخ كان عابرا للطغاة ورحل جلّهم قبله. رحلوا مع جهلهم، وهو باق بعلمه.

دلالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *