الرئيسية » المدونة » المجلس العسكري بين ليبيا ومصر

المجلس العسكري بين ليبيا ومصر

تثبت الانتخابات الليبية مجددا أن الشعب الليبي العظيم قادر على بناء النظام، بعد أن أسقط “اللانظام القذافي”. ومع أن الجيش والأجهزة الأمنية حُلت، وحلت مكانها ميليشيات الثوار، إلا أن الوضع الأمني في الانتخابات كان أفضل كثيرا من دول تمتلك جيوشا وأجهزة أمنية تشرف على الانتخابات، وتعيث فيها تزويرا وتدخلا. وفي ظل وجود آلاف المراقبين، لم نسمع من أي طرف، خصوصا الخاسرين، تشكيكا بالنتائج واتهامات للخصوم. وأذهلنا الليبيون بقدرتهم مرة أخرى ليس على السلمية فقط، وإنما على التسامح والتشارك.
أين عسكر مصر من عسكر ليبيا؟ في مصر، وخلافا للغة الإعلامية المجاملة، كان العسكر الركن الشديد لنظام مبارك. وهم بعد الثورة أثبتوا قمعية وعنفا لا يختلفان عن أمن الدولة المنحل، وكل يوم لا يكفون عن التآمر من أجل البقاء في السلطة والتمتع بالامتيازات؛ وبحسب تقارير مستقلة، يسيطر عسكر مصر على 40 %  من الاقتصاد المصري. لم يقاتلوا مبارك، واليوم يحاولون إعادة إنتاجه. في المقابل، نجد عبدالحكيم بلحاج رئيس المجلس العسكري في طرابلس، وهو مقاتل أممي، يتخلى عن سلاحه ويخوض الانتخابات.
هنا يمكن ملاحظة الفرق بين شاب مثل بلحاج وعجوز مثل المشير طنطاوي. فبلحاج ذاق مرارة السجن على يد القذافي والأميركيين والبريطانيين، ويدرك تماما معنى الحرية وحقوق الإنسان. وهو انتزع حريته بدماء عزيزة، ودخل طرابلس فاتحا، ليكون واحدا من الناس لا ليتحكم بالناس. وفي حرب تحرير ليبيا، أدرك الثوار أن التضحية والشجاعة والإخلاص لا تكفي للنجاح، بل لا بد من شراكة واسعة في إطار إقليمي ودولي. ولولا الدعم العربي والغربي، لما نجحت الثورة بهذه السرعة.
طنطاوي مستقبله وراءه، وهو لم يتحرك عندما كانت إسرائيل تنتهك أمن مصر في غضون الحرب على غزة. وفي وعيه أن وظيفة الجيش هي حراسة النظام من أعداء الداخل، أي الشعب المصري. وقد أرغم تحت ضغط الشارع على تقديم تنازلات، وظل بمكر العواجيز يماطل ويناور إلى اليوم. وهو يتمنى أن تنجح الدولة العميقة العتيقة في ابتلاع الدولة الديمقراطية الوليدة، لكنه يمتلك قدرا من الحكمة يمنعه من مواجهة مفتوحة مع الشارع.
في ظل الحديث عن تقدم القوى الوطنية في الانتخابات الليبية، لم يشكك الإسلاميون بالنتائج، ولم يمارسوا البلطجة وتحت أيديهم السلاح، بل أشادوا بالعملية الانتخابية باعتبار أن الكاسب هو الشعب الليبي، وبادر محمود جبريل منافس الإسلاميين إلى الحديث بلغة توافقية. إن اختبار ليبيا هو الأهم بالنسبة للإسلاميين؛ فالتزام الديمقراطية يظهر عندما تخسر لا عندما تكسب، والديمقراطية تداول لا تملك.
يمكن وصف خصوم الإسلاميين بأنهم ليبراليون. ولكن قبل التسرع بهذا الوصف، نذكر بأن جبريل يصف نفسه بإسلامي وسطي، ويتحدث في المساجد. إن ليبيا، كما غيرها من الدول، تحتاج توازنا في الشارع بحيث لا يطغى فريق على آخر، ومن حسن حظ الإسلاميين وجود منافس قوي لهم، ومن حسن حظ جبريل وجود قوى إسلامية منافسة له، وإلا تحول لقذافي آخر. لقد استفاد جبريل من كل أخطاء الثوار، وتحالف معه كل خصوم الإسلاميين من أنصار القذافي، سواء من قبائل أو رجال أعمال وفلول إعلام. لكن هذا مشروع ولا يقلل من فوزه.
إن النتائج تعبر عن خيار الأحرار، ولا تقلل من تضحيات الثوار الذين بذلوا دماءهم وسنوات في سجون الطاغية وفي المنافي. وسيظل سجن أبو سليم الذي شهد مقتلة السلفيين عنوان الثورة في ليبيا. وسيتحول الثوار إلى جيش نظامي يحمي البلاد فعلا، وأجهزة أمن تحمي المواطن حقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *