الرئيسية » المدونة » المعادلة السياسية في الضفة بعد عدوان غزة: ثوابت وتغييرات

المعادلة السياسية في الضفة بعد عدوان غزة: ثوابت وتغييرات

انتهى العدوان الإسرائيلي الأخيرة على غزة بوقف إطلاق نار متبادل بين المقاومة الفلسطينية في القطاع والاحتلال، فجر يوم الجمعة الماضي، لكن جولة سياسية بدأت فوراً بين الولايات المتحدة والقيادة الفلسطينية. وعزّزت تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن أهمية أمن الضفة الغربية المحتلة، وتأكيده على الرئيس محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية، بشكل غير مبرر، ثبات المعادلة السياسية للسلطة. وعلى الرغم من الوحدة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 والضفة الغربية وقطاع غزة خلف قضية القدس المحتلة، إلا أن المعادلة السياسية للسلطة الفلسطينية لم تتغير، بل ظلت تراوح مكانها في الرهان على العملية السياسية، من دون أي استراتيجية وطنية لمواجهة الاحتلال وحماية القدس من الاعتداءات والتهويد. ومع شعور القيادة الفلسطينية بالخطر على وجودها، جاء اعتراف بايدن بعباس دعماً لموقفه خلال الحرب على غزة، الذي احتوى التصعيد في الضفة الغربية، في ظل المخاوف من اختلال الميزان السياسي لصالح حركة “حماس”.

ومنذ اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي على غزة، حرصت الإدارة الأميركية على عدم التصعيد في الضفة الغربية ضد إسرائيل، وكان هذا محور الحديث في الاتصال الهاتفي الذي جرى بين بايدن وعباس في 15 مايو/ أيار الحالي، بعد نحو أربعة أشهر على تولي بايدن الرئاسة في 20 يناير/ كانون الثاني الماضي. كما حصل اتصال بين عباس ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في 13 مايو الحالي، والذي أكده عباس في لقائه مع نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الفلسطينية والإسرائيلية هادي عمرو في 17 مايو.

شعرت القيادة الفلسطينية بأن “حماس” تسعى لإعلان نفسها بديلاً عن السلطة

ووصل عمرو إلى رام الله بعد ثلاثة أيام من وجوده في إسرائيل، آتياً من الولايات المتحدة على متن طائرة شحن أميركية، وفقاً للإعلام الإسرائيلي، والتي أثارت الكثير من التكهنات حول ما إذا كانت تحمل أسلحة وقنابل ذكية لإسرائيل في عدوانها على غزة. واجتمع عمرو أولاً مع وزير الشؤون المدنية، عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” حسين الشيخ، ورئيس جهاز المخابرات ماجد فرج. ولم يقتصر الأمر عليهما، بل التقى أيضاً عدداً من كبار رجال الأعمال الفلسطينيين، أبرزهم بشار المصري مؤسس “مدينة روابي”. وكان اجتماعه مع عباس مناقض للبروتوكول السياسي لاجتماع رئيس دولة بموظف أميركي برتبة نائب مساعد وزير.

وقال مسؤول فلسطيني رفيع لـ”العربي الجديد” إن “هادي عمرو حضر برزمة أمنية واقتصادية، وعلى الصعيد الأمني أكد على القيادة الفلسطينية أهمية عدم جرّ الضفة الغربية لأي مواجهات عسكرية مع الاحتلال واحتواء أي تصعيد قدر الإمكان”. وتابع المصدر: “على صعيد آخر أكد عمرو أنه بعد وقف إطلاق النار بين قطاع غزة وإسرائيل، سيصار إلى البدء بعملية سياسية واجتماع للجنة الرباعية الدولية، وسيعود ملف حل الدولتين إلى الطاولة بعد غياب أربع سنوات”.

وبحسب المصدر، فإن عمرو “أكد استمرار المساعدات المالية الأميركية للسلطة الفلسطينية بعد انقطاعها في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، إضافة لمساعدات أخرى لقطاع الأعمال والمؤسسات غير الحكومية، والأهم أن رزمة تسهيلات إسرائيلية من تصاريح وعدم هدم منشآت في الأراضي الفلسطينية المصنفة (ج) وغيرها ستكون جاهزة بعد وقف إطلاق النار”.

ويرى محللون سياسيون أنه ومنذ اليوم الأول الذي ضربت فيه المقاومة ضواحي القدس في 10 مايو، تنفيذاً لتهديدات متكررة من القائد العسكري لـ”كتائب القسام”، الذراع العسكري لحركة “حماس”، محمد الضيف، بعد أيام من الاعتداء على المصلين في أكثر الأيام قداسة للمسلمين وهي العشر الأواخر من شهر رمضان (النصف الأول من شهر مايو)، إضافة لإجراءات عملية لتهجير سكان حي الشيخ جراح، لم تبادر القيادة الفلسطينية لتوفير أي غطاء سياسي للمقاومة، بل لم يتم أي اتصال رسمي مع قيادة “حماس”. وشعرت القيادة الفلسطينية بأن “حماس” بمواجهتها العسكرية مع إسرائيل تحت عنوان “القدس” تسعى لخطف المشهد السياسي وإعلان نفسها بديلاً عن السلطة الفلسطينية. ويشير الكاتب هاني المصري في حديثٍ لـ”العربي الجديد” إلى أن تصريحات بايدن، أول من أمس السبت، تعكس تآكل شرعية عباس، لذلك يحتاج اليوم لشرعية خارجية، أميركية أو أوروبية أو عربية، تطيل أمد شرعيته، وذلك من باب خلق التوازن، فقد دخلت “حماس” هذه الحرب من باب القدس والأقصى، ما جعلها تحتلّ مركزاً قيادياً في مواجهة القيادة الرسمية.

وكان عباس قد وجّه خطاباً ساخناً للولايات المتحدة وإسرائيل بعد يومين من بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قائلاً: “حلوا عن صدورنا. طفح الكيل. ارحلوا عنا”. وبعد اجتماع دام نحو ثلاث ساعات خرجت القيادة ببيان هزيل، قررت فيه “تشكيل لجنة لدراسة الخيارات الواجب اتخاذها”، ولم يتم تشكيلها حتى اللحظة.تقارير عربية

أداء مختلف للمقاومة في غزة… وتطور تكتيكي

وكان مؤسس “الملتقى الوطني الديمقراطي” ناصر القدوة قد أكد في تصريحات سابقة لـ”العربي الجديد” أن دولة فلسطين كانت تستطيع أن تتقدّم بمسودة مشروع أمام مجلس الأمن لوقف إطلاق النار والعدوان على قطاع غزة منذ اليوم الأول لكنها لم تفعل ذلك، مؤكداً أن “الحديث عن ثلاثة اجتماعات لمجلس الأمن هو أمر غير صحيح”. ويعني هذا الأمر أن القيادة الفلسطينية قررت عدم الضغط سياسياً على مجلس الأمن في ما يتعلق بالعدوان على قطاع غزة، بما ينسجم مع عدم توتير علاقتها بالإدارة الأميركية.

في حين لم تُخفِ “حماس” رغبتها في زيادة التصعيد بالضفة الغربية لإِشعال جبهة اشتباك جديدة مع الاحتلال حتى لا يستفرد بغزة، وكان هذا واضحاً في كلمة رئيس مكتب “حماس” في الخارج خالد مشعل يوم الثلاثاء الماضي، حين قال “الانتفاضة في الضفة الغربية ممكنة وضرورية”. وقبل خطاب مشعل، كانت المقاومة في 13 مايو تقصف أهدافها في تل أبيب ومطار بن غوريون في اللد بصواريخ أطلقت عليها أسماء شهداء من الضفة الغربية، مثل القائد العسكري يحيى عياش، وباسل الأعرج، وذلك بعد خطابات المتحدث باسم المقاومة أبو عبيدة الذي دعا الضفة للاشتباك مع الاحتلال. وهذا ما كان، إذ خرجت الضفة الغربية في مسيرات واشتباكات غير منظمة في عشرات نقاط التماس مع الاحتلال منذ فجر 14 مايو، ما أدى لسقوط 29 شهيداً في الضفة الغربية والقدس، وإصابة أكثر من خمسة آلاف مواطن حتى لحظة إعلان التهدئة.

حركة “فتح” كانت ضمن الفصائل الفلسطينية التي دعت لأيام غضب، لكن أنصارها يعلمون أن الحركة لم تشارك بكامل ثقلها في المواجهات، على الرغم من مشاركة قياداتها من أعضاء في اللجنة المركزية والمجلس الثوري في مقدمة بعض المسيرات. لكن قرار مواجهة حقيقياً مع الاحتلال لم يتخذ من قبل قيادة “فتح”، أي قيادة السلطة، التي فضّلت المشاركة بالمسيرات الجماهيرية لا أن تمسك زمام المبادرة، كما فعلت “فتح” في الانتفاضة الثانية مثلاً (2000 ـ 2005) أو في الهبّات الشعبية العديدة، على الرغم من أن قاعدة “فتح” الشعبية كانت تهتف في الشوارع مؤيدة للمقاومة “يلي بتحكي انقسام فتح بتهتف للقسّام”.

أكد الرجوب أن “فتح” منتشرة في أكثر من 200 نقطة تماس مع الاحتلال ولا تتنافس مع أي فصيل

وحول دور “فتح”، يؤكد أمين سر اللجنة المركزية للحركة جبريل الرجوب، في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن “فتح موجودة بكل ثقلها في أكثر من 200 نقطة تماس مع الاحتلال، ونحن لسنا في حالة منافسة مع أي فصيل، ونحن موجودون والفعل الشعبي الشامل أهم وسيلة في هذه المرحلة”.

وكان من الواضح أن القيادة الفلسطينية أرادت أن تدير أصعب أيام الحرب في غزة والتصعيد في الضفة الغربية بطريقة أمنية حذرة قدر الإمكان، تُبقي يد الأمن مسيطرة على كل تفاصيل الحياة، من دون احتكاك كبير قد يُثير غضب الشارع المستفز أصلاً من المجازر في قطاع غزة، والهدوء المطبق على مقاطعة رام الله، حيث مقر الرئاسة. بالتالي اجتمع عباس مع قيادات الأمن في 15 مايو، وتم إطلاعه على محاصرة الأحداث ضد الأمن، كما جرى في إحراق أهالي قرية عوريف قرب نابلس الغاضبين مقرّ الشرطة احتجاجاً على استشهاد أحد أبناء القرية في 14 مايو. ولاحقاً أُحرق مركز شرطة قرية بدو، شمالي غرب القدس. ووُجّهت أصابع الاتهام إلى “حماس”، فتواصل أحد أعضاء مركزية “فتح” مع عضو مكتب “حماس”، صالح العاروري، لتحذيره من “أن حماس تلعب بالنار في الضفة ويجب أن تتوقف”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *