الرئيسية » المدونة » بين الاقتصاد والذاكرة.. ماذا يريد ماكرون في زيارته الثانية للجزائر؟

بين الاقتصاد والذاكرة.. ماذا يريد ماكرون في زيارته الثانية للجزائر؟

الجزائر- بعد أشهر عجاف من القطيعة الدبلوماسية بين باريس والجزائر، والتي سبقت فوز إيمانويل ماكرون بعهدة ثانية، يجري الرئيس الفرنسي اليوم الخميس زيارة للجزائر تمتد حتى 27 أغسطس/آب الجاري، بعنوان “إعادة إطلاق الشراكة الثنائية”.

وكان الرئيس عبد المجيد تبون دعا نظيره الفرنسي إلى زيارة بلاده، بمناسبة إعادة انتخابه في أبريل/نيسان الماضي، من أجل بعث “ديناميكية تدفع إلى التقدم في معالجة الملفات الكبرى وإلى تكثيف وتوسيع العلاقات الجزائرية الفرنسية”.

وتأتي زيارة ماكرون الثانية إلى الجزائر “وفق رؤية جديدة، مبنية على الندية وتوازن المصالح”، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية.

وتشير الوكالة إلى أن من “أهم الملفات -رغم تعددها وتنوعها- ملف الذاكرة الذي توليه الدولة الجزائرية أهمية خاصة، إذ سبق للرئيس تبون التأكيد على واجب صون الذاكرة الجماعية والسهر على حمايتها من مكر أولئك الذين ما زالوا، منذ عقود، يجرون وراءهم حقدهم على انتصار الجزائر المستقلة السيدة”.

ويضم الوفد المرافق للرئيس الفرنسي حوالي 90 شخصية، منها وزير الاقتصاد والسيادة الصناعية والرقمية برينو لومير، والداخلية جيرالد درمانين، ووزيرة أوروبا والشؤون الخارجية كاثرين كولونا، ووزير الدفاع سيباستيان لوكورنو، ووزير الثقافة والرياضة، وأمين الدولة المكلف بقدماء المحاربين، وشخصيات أخرى، وفق ما علمته جريدة “الشروق” الجزائرية من مصادرها الخاصة.

وتثير الزيارة -برأي مراقبين- أسئلة عديدة بشأن دوافعها الضاغطة، خاصة بالنسبة للجانب الفرنسي، في سياق المؤشرات السياسية والاقتصادية والطاقوية الداخلية والأوروبية وحتى الأفريقية.https://70354e847109baad9353950ebee89115.safeframe.googlesyndication.com/safeframe/1-0-38/html/container.html?upapi=trueADتشغيل الفيديومدة الفيديو 02 minutes 25 seconds02:25

سياق مختلف جذريّا

ويرى فيصل إزدارن، الباحث في علم الاجتماع السياسي من باريس، أن هذه الزيارة الرابعة لرئيس فرنسي منذ الاستقلال جاءت في سياق مختلف تماما، تسوده حرب على مشارف أوروبا، أضرت باقتصادها ورهنت أمنها الطاقوي، مما دفع بكل دولها إلى البحث عن بدائل ناجعة ومستمرة لتوريد الطاقة على أبواب الشتاء.

ويعتقد إزدارن في حديثه للجزيرة نت أنّ تفاقم الأزمة الاقتصادية بفعل ارتفاع نسب التضخم يثير مخاوف ركود تاريخي يمس كل القارة الأوروبية.

ويبرّر خلفيات الزيارة بتراجع غير مسبوق في حجم التبادل التجاري بين الجزائر وفرنسا، حيث نزل إلى حدود 7 مليارات دولار، بعدما تجاوز 11 مليار دولار في 2015.

ويركّز على دخول الجزائر مرحلة جديدة من العمل الدبلوماسي القائم على إعادة بلورة منظومة شراكة إستراتيجية مع كل من إيطاليا وتركيا وروسيا والصين، وكذلك إعلان نيتها في الانضمام إلى مجموعة “بريكس” (BRICS).

ومن جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي، بومدين بوزيد، إنّ إيمانويل ماكرون بتحذيره قبل انتقاله إلى الجزائر من شتاء صعب، يدرك مدى خطورة الحرب الأوكرانية الروسية وحاجة فرنسا وأوروبا إلى الطاقة.https://70354e847109baad9353950ebee89115.safeframe.googlesyndication.com/safeframe/1-0-38/html/container.html?upapi=trueAD

ويضيف أن الرئيس الفرنسي “ربما يُصلح مسار الغاز الجزائري الذي ضيّعته إسبانيا، محاولا استدراك ما فات فرنسا وسبق إليه الألمان والإيطاليون والروس والصين وتركيا في الجزائر”.

ويقول بوزيد للجزيرة نت إن الجزائر ولّت وجهتها التجارية نحو بلدان آسيوية وأوروبية أخرى، رغم الحصة المعتبرة لفرنسا في بعض التعاملات، مثل القمح والمواد الصيدلانية.تشغيل الفيديومدة الفيديو 03 minutes 07 seconds03:07

دخول قوى منافسة

ويشير إزدارن من جانب آخر إلى تقهقر الدبلوماسية الفرنسية من حيث الأداء، ودخول قوى منافسة من دول ناشئة تزاحم مواقعها في القارة السمراء، مع تنامي الإحساس المناوئ لفرنسا بين الفئات الشبابية في أفريقيا، مما سيضطر النظام الفرنسي إلى مراجعة سياسته التعاونية مع البلدان الأفريقية.

ويؤكد أن كل تلك المعطيات تدفع باريس اليوم إلى إعادة بعث الآليتين التنظيميتين المستحدثتين بموجب “إعلان الجزائر للصداقة والتعاون”، الموقع في ديسمبر/كانون الأول 2012، وهما “اللجنة الحكومية عالية المستوى للتعاون” (CIHN)، و”اللجنة المختلطة الاقتصادية” (COMEFA)، حيث “لم تعقد الأولى اجتماعها الدوري منذ 2017 والثانية متوقفة منذ 2020”.

جراح الجزائريين غائرة

من جهة أخرى، يوضح بوزيد أن فرنسا تزاوج دوما بين الاقتصاد والذاكرة، وفق ما يكشفه برنامج الزيارة والوفد المرافق للرئيس ماكرون.https://70354e847109baad9353950ebee89115.safeframe.googlesyndication.com/safeframe/1-0-38/html/container.html?upapi=trueAD

ويضيف أن “التاريخ الثقيل والمثخن بالجراح، ووفق رؤية كل طرف، يستدعي معالجة هادئة والذهاب نحو ذاكرة مشتركة، وفق تقرير بنيامين ستورا”.

ويشدد على إدراك الإليزيه أنّ جراح الجزائريين، سلطة وشعبا، ورغم مرور 60 عاما على استرجاع السيادة؛ ما تزال غائرة، “بينما اللوبيات التي تحيط بماكرون لا تجعله يتحرّر من هيمنة الرؤية الاستعمارية التي تروجها دوائر فرنسية”.

غير أنّ بوزيد يرى أن السلطة الفرنسية لم تدرك بعد طبيعة النظام في الجزائر، وأن قضايا الذاكرة والتاريخ لا تحلّ بسهولة أو مغازلات واعترافات بالتقطير.

زيارة دون المأمول

ولذا، لا يتوقع الكاتب بوزيد أن تكون الزيارة بالمستوى السابق أو المأمول، مع أنها قد تفعّل جزئيا العلاقات التجارية، مستبعدا أن تجد مسألة التأشيرات وترحيل المهاجرين غير الشرعيين حلا في الأمد القريب.

بالمقابل، يرى أن الخلاف حول قضايا ليبيا ومالي والصحراء الغربية سيكون له تأثيره في الدفع نحو آفاق جديدة، كما أنّ الدبلوماسية الجزائرية سوف تراهن على الزمن وأحداث قادمة، مثل الحرب الأوكرانية التي قلبت الموازين.

ويقول إن “مزيدا من الانفتاح نحو الصين وروسيا ودول غربية أخرى سوف يجعل فرنسا غير ذات قوة ونفوذ في شمال أفريقيا، بدليل أن الإنجليزية ستزاحم الفرنسية في المدارس الابتدائية الجزائرية هذا الموسم”.المصدر : الجزيرة


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *