مقالات

علي العريض أنموذجا في الحكم والمعارضة

باستقالة رئيس الوزراء التونسي علي العريض لم تبقَ أي حجة لثوار الثورة المضادة لتعطيل عجلة الدستور والانتخابات. لكن تلك القوى أكدت أنها تتصرف بدافع الإملاءات الخارجية أو الحقد والحسد على المنافسين، ولا يهمها إن خربت البلد  على قاعدة عليّ وعلى أعدائي.
  لم يمنّ علي العريض على شعب تونس بأكثر من عقد أمضاه في الزنزانة الانفرادية، ولا بتضحيات آلاف من التيار الإسلامي في مواجهة دكتاتورية بورقيبة وبن علي، ولم تأخذه سكرة الفوز بالانتخابات، والأهم ظل أكبر من موقعي وزير الداخلية ورئيس الوزراء ولم يتشبث بالسلطة، ولم تغوه امتيازاتها.
   منذ نجاح ثورة تونس اعتمدت النهضة استراتيجية التنازلات المفتوحة للصالح العام. بعد انتصار الثورة مدت اليد لخصومها من حزب العمال الشيوعي الى بيروقراطية بن علي وبورقيبة، ورضيت بأقل القليل في تمثيلها في الهيئات الانتقالية المعينة، وقبلت بقانون انتخابي مفصل ضدها بمحاباته الأحزاب الصغيرة، وبعد فوزها الانتخابي الكاسح تصرفت بتواضع ومسؤولية وطنية وصاغت شراكة سياسية مع حزبين علمانيين، هما التكتل والمؤتمر اللذان حصلا على رئاسة المجلس التشريعي ورئاسة الجمهورية، واليوم تنازلت عن حصتها في رئاسة الحكومة.
  هذا نموذج عز نظيره عالميا وعربيا، أين هو من تجربة حزب التجمع الشمولية، ام الوطني في مصر، ام أبو الشموليات حزب البعث في سورية المنصوص دستورا أنه ” القائد للدولة والمجتمع”؟!
 المهم في تونس نجاح تجربة الانتقال من الديكتاتورية الى الديموقراطية، وهذه مهمة صعبة جدا وتاريخية، وتزداد صعوبة وتاريخية بعد نجاح الثورة المضادة في مصر وإطاحتها بالنموذج الديموقراطي الوليد.
  تقاتل النهضة على جبهتين؛ القوى العلمانية المعادية لها سواء من فلول بن علي وبورقيبة أم اليسار المتطرف، وجبهة التشدد الإسلامي من جماعة أنصار الشريعة وتفريخاتها، وقد أنهكت من الطرفين، ويصعب التنبؤ إن كان هذا الإنهاك سيتحول كسبا انتخابيا لها أم تراجعا، وفي الحالين تكسب تونس الانتقال الى الديموقراطية، والمؤكد اليوم أن الديكتاتورية لن تعود، ولو لم تنجز ديموقراطية كاملة.
لا يعود الفضل بذلك لصمود النهضة ونضجها فقط بل أيضاً لخصمها التاريخي بورقيبة الذي جعل الجيش مؤسسة بحجم طبيعي ولم يضخمها، كما في مصر، بحيث تكون مؤسسة قادرة على ابتلاع الدولة والمجتمع معا. في مصر يسيطر الجيش على 40 بالمئة من القطاع الخاص، هذا غير موجود أبدا في تونس.
 الناخب التونسي سينصف العريض في الانتخابات المقبلة، والمنافس الوحيد للنهضة هو نداء تونس الذي يضم فلول بن علي وإرث بورقيبة بخيره وشره، فقد بنى بورقيبة دولة حديثة، لكنه كان طاغية مستبدا، وزعيم نداء تونس الباجي قائد السبسي كان أحد أذرعه السياسية والأمنية، مدير جهاز الأمن عندما بطش باليوسفيين. لكن يظل السبسي رجل دولة ساهم في قطع شوط مهم في المرحلة الانتقالية، ولا يقارن بمراهقي اليسار والليبرالية، وربما نشهد في المرحلة المقبلة شراكة وطنية تضم “نداء تونس” فالإرث البورقيبي ليس استبدادا محضا كما أن إرث النهضة ليس نضالا محضا، والشعوب السوية تتوزع معارضة في حكومة ظل وموالاة في حكومة فاعلة، لا بين سجين وسجان وضحية وجلاد، والواضح أن العريض لا يتصرف بوصفه معتقلا والسبسي لا يتصرف بوصفه مدير جهاز أمن.
 قصارى القول، خسر العريض موقعا، لكن كسبت تونس وكسب العرب الخائفون عليها، لا منها.‏‫‬

[email protected]

abuhilalah@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *