الرئيسية » المدونة » كم أنا ممتن لك والدي الحبيب

كم أنا ممتن لك والدي الحبيب

في هذا اليوم من عام 14/11/1977 وأنا في الثامنة من عمري فقدت والدي، كنت في المدرسة عندما بلغني الخبر. قبلها بأيام أوصلنا وقبّلنا قبل ذهابه إلى السعودية ولم أكن أدري إنها ستكون القبلة الأخيرة.
لم يكن موته متوقعا؛ في الخامسة والثلاثين من العمر، تقبل عليه الحياة، يعمل مديرا لبرنامج محو الأمية في شركة فينيل الأميركية لتطوير الحرس الوطني السعودي. وقد حصل على قبول للدكتوراه في أميركا.
ذلك كله انتهى بحادث سير على طريق الرياض قبل عيد الأضحى بأيام .
وعيته سنوات محدودة، لكن ظل حاضرا معي ولم يباعدنا الموت. فكل شوق ينتهي باللقاء لا يعوّل عليه. في آخر سنتين من عمره غاب عنا في عمله في الرياض، وكان أبي بالنسبة لي حاضرا وأن غاب.
وفي سفره الطويل لا يزال حاضرا، تسره سيرة من تركهم أيتاما، أكبرهم عمار كان في التاسعة وأصغرهم عبدالله الذي لم يكمل عامه الثاني .
يسره إن علي ابني الذي حمل اسمه صار في الجامعة وكذلك حفيده زيد ابن عمار .. أميركا التي حال الموت بينه وبين أكمال دراسته فيها، ابنه أسامة طبيب أورام فيها، وعبدالله حصل منها على شهادتي ماجستير.
لكل يتيم قصة نجاح، ولوالدتي نجاح، أطال الله عمرها الفضل الكبير، بعد الله، في ذلك. فخور بها وبوالدي وبعمار وأسامة وزيد وعبدالله.
يوم يستحق أن نحزن فيه، بقدر ما نفخر ونفرح. فما تركه من أرث باق، وما تركه من أثر لا يزول. فملايين الطلاب الذين درسوا مناهج اللغة العربية للمرحلة الثانوية، أو تتلمذوا على يديه مباشرة علمه باق فيهم .
عشت حياة قصيرة، لكنك عشت راضيا مرضيا، أسعدت كل من عرفك. ذقت مرارة اليتم صغيرا عندما فقدت والدتك، لا أنسى ما كان يرويه عمي محمد رحمه الله عن طفولتكما القاسية، لكن نجحت وتفوقت، كنت من أوائل الجامعيين في معان، في جامعة دمشق تكوّنت علميا وفكريا، وعدت إلى معان لتساهم في رد جميل أهلك وبلدك.
في كل زيارة لمعان كنت أرى محبتك للناس ومحبتهم لك. لا أنسى وانت تأخذنا لراس النقب لزيارة خالتك بندر رحمها الله، ولا الجولات الطويلة على الأرحام، وأنت بحاجة إلى كل دقيقية في إجازتك.
لا أنسى يوم أخذتنا إلى معان عن طريق وادي الموجب لنتعرف على بلادنا. لا أنسى الطريق الجميل والمخيف في آن، يومها أركبت معنا بدويا على الطريق، لم نفهم شيئا من حديثكما، كانت اللهجة عصية على فهم طفل نشأ في عمان. لكن تعلمت أن ذلك البدوي الذي نجهله رفيق دربنا، ويستحق أن نساعده.
في مؤتة زرنا قبور الصحابة الشهداء جعفر الطيار وزيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة. أسماؤنا عمار بن ياسر ، وأسامة بن زيد، وعبدالله . ولكل اسم حكاية. كنت تنتظر أن ترزق بابنة لتسميها رند، لأرزق بها. وهي تعرف أنك من سميتها على اسم ” شجر طيب الرائحة ومن اسماء الغزال ويستخرج منه البخور ..”
لا يزال قبرك أكثر ما يشدني إلى معان، فذلك التراب الذي ولدت عليه ودفنت فيه حي بك، يذكرني بك وبالأحبة الذين رحلوا عمي محمد وعمتي منى وجدي وجدتي.
في كل يوم أتذكرك وفي كل صلاة أدعو لك، لعلك ترضى.
كم أحبك، وكم أفتقدك، وكم أنا ممتن لك والدي الحبيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *