مقالات

كيف تهدد القوة الحادّة قوة ناعمة

في العدد الأخير من مجلة فورين أفيرز، يسأل الكاتب جوزيف س. ناي: كيف تهدّد القوة الحادّة القوة الناعمة؟ “؟ How Sharp Power Threatens Soft Power”. وينحت مصطلحا جديدا، هو “القوة الحادّة” القاهرة، في مقابل مصطلح “القوة الناعمة” الجاذبة، الذي ظهر في عام 1990، ويعني “القدرة على التأثير في الآخرين عن طريق الجذب والإقناع، بدلاً من القوة الشديدة للإكراه والدفع”. أما “القوة الحادّة” (Sharp Power) فهي قوة حديثة نشأت بفعل ثورة الاتصالات “الاستخدام الخادع للمعلومات لأغراض عدائية، هو نوع من القوة الصلبة”. ويتناول الكاتب استخدام كل من الصين وروسيا للقوة الحادّة، وكيف تمكّنا من إيقاع إضرار جسيمة في الديمقراطيات الغربية، كما حدث في الانتخابات الأميركية.
عربيا، تستحق ظاهرة القوة الحادّة دراساتٍ جادّة للكشف عن مدى الخراب الذي أحدثته في المجتمعات العربية، فالأضرار التي أحدثتها في الانتخابات الأميركية لم تُحبط التجربة الديمقراطية الراسخة، بقدر ما استفزّت مقاومة المجتمعات لمواجهة الحرب التي تهدّدها. عربيا، خسرت المجتمعات فرصتها التاريخية في التحول الديمقراطي، بفعل “القوة الحادّة” التي توّجت بعملٍ مسلحٍ، سواء بانقلاب عسكري أو مليشيات مسلحة.
تمتع الربيع العربي بقوة الجاذبية، أي “القوة الناعمة”، ولم يكن للإعلام من دور غير مواكبة الانتصارات الجماهيرية، كما حدث في انهيار جدار برلين والمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية. لم تتم الفرحة، وتمكّنت القوى القديمة التي ظلت مهيمنةً من استعادة زمام المبادرة من خلال “القوة الحادّة”، ونجحت في تدمير التجربة الديمقراطية في مصر، وتخريبها في أكثر من بلد بشكل جسيم، فحملات التضليل العدائية المنهجية كانت شرطا لنجاح انقلاب عبد الفتاح السيسي. وكانت حملات منظمة وقفت وراءها الإمارات والسعودية، وفوق ذلك الدولة العميقة في مصر.
تطورت أدوات القوة الحادّة، والتي توسّع استخدامها من أعداء القوة الديمقراطية الناعمة، فقد استخدمها النظام السوري وحلفاؤه الإيرانيون، مثل إشاعة أكذوبة جهاد النكاح، لتشويه الثوار السوريين. ومن اليوم الأول للثورة، بدأت حملةٌ تشيطنها، وتلصق بها تهم الإرهاب والسلفية. وفي الأزمة الخليجية، استخدمت “القوة الحادّة” بحرفيةٍ أعلى، وتم استهداف قطر بالقرصنة، وبعدها من خلال “الذباب الإلكتروني”، وهو مصطلح استخدمتُه للتعبير عن تجنيد المغردين الحقيقيين والآليين وتوظيفهم، بغرض نشر المعلومات المضللة وتسميم الهاشتاق والشتم والتحقير والازدراء، ويشكل الذباب سلاحا أساسيا للقوة الحادّة.
وتبيّن لاحقا أن “القوة الحادّة” لم تقتصر على أجهزة الأمن وأذرعها، مثل “مركز اعتدال”، بل تورّطت شركات تقنية إسرائيلية وغربية، حتى شركة ماكنزي الاستشارية، في دراسة منصّات التواصل والمؤثرين فيها، وسبل اختراقها وتسخيرها لخدمة القوة السلطوية. وقد تكشف، بعد الاغتيال المروّع للصحافي جمال خاشقجي، كيف استخدمت أسوأ أشكال القوة الحادّة في ترصد المؤثرين وتشويههم، واستخدام أسوأ أشكال الإساءة إليهم.
إذا كان لدى الأميركيين محقق خاص تسخّر له الملايين لإحباط “القوة الحادّة”، وفوق ذلك، حرص الشركات الأميركية من “فيسبوك” و”تويتر” و”غوغل”.. على حماية الديمقراطية، فإن المجتمعات العربية تبدو عزلاء مكشوفة في مواجهة القوة الحادّة الطاغية. لكن ذلك لا يعني الاستسلام، فلدى مجتمعاتنا إمكانات للمواجهة، من خلال ربط نفسها بالسياق العالمي لحماية منصّات التواصل والمؤثرين. وبإمكانها إشاعة ثقافة التحقّق ومقاومة الإشاعات، وكشف مؤامرات “القوة الحادّة”. ولا بد للوردة الناعمة من أشواك تدافع بها عن نفسها. تستطيع القوى الديمقراطية أن تكون لها قوة حادّة تهاجم، ولا تكتفي بتلقي الضربات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *