لم يتعامل المعلقون والمراسلون العسكريون في الصحافة الإسرائيلية مع تطورات حرب إيران باعتبارها أزمة بحرية محصورة في مضيق هرمز، وإنما قرؤوه كاختبار جديد لمعادلة الردع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.

فمن القناة 13 إلى يديعوت أحرونوت ومعاريف وهآرتس وكان 11 والقناة 12، برز خيط واحد، وهو أن وقف إطلاق النار مع إيران لم يتحول إلى تسوية مستقرة، وهرمز قد يكون البوابة التي تعيد الحرب إلى مساراتها الإقليمية، بما فيها الجبهة الداخلية الإسرائيلية ولبنان وغزة.

في القناة 13، قرأ أور هيلر، المراسل العسكري المعروف بصلاته الوثيقة بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التصعيد بوصفه لحظة انتقال من المراقبة إلى الاستعداد، وأبرز في تقريره أن الجيش الإسرائيلي “رفع مستوى التأهب خشية اتساع رقعة القتال وتوجيهه نحو إسرائيل”، وأن “القيادة العسكرية في الجيش الإسرائيلي توصي القيادة السياسية بتجديد القتال ضد إيران”.

ولم يقف تقرير هيلر عند هجوم إيران على الإمارات أو السفن في الخليج، وإنما وضع إسرائيل داخل دائرة الاحتمال المباشر، لينقل معه ما قاله ترمب لقناة فوكس نيوز: “إيران ستُمحى من على وجه الأرض إذا تجرأت على مهاجمة السفن الأمريكية في هرمز”، وهنا تتحول الأزمة -بحسب هيلر- من حماية الملاحة إلى تهديد أمريكي مفتوح، تقابله جاهزية إسرائيلية دفاعية وهجومية.

بداية أوسع

أما رون بن يشاي، كبير المعلقين العسكريين في يديعوت أحرونوت وأحد أبرز الصحفيين الإسرائيليين في تغطية الحروب، فقرأ التصعيد من زاوية مختلفة وهي أن إيران، في نظره، تتصرف “كحيوان جريح”، وما جرى “مجرد بداية”. ويشير الكاتب هنا إلى أن طهران، كلما شعرت بأن ورقة هرمز تفلت من يدها، تصبح أكثر قابلية لتوسيع الرد.

ويضع بن يشاي مضيق هرمز في مركز الحساب الإيراني، باعتباره “ورقتها الرابحة الرئيسية والوحيدة في المفاوضات”، أي نفوذها على سوق الطاقة العالمية. لذلك يرى أن نجاح الولايات المتحدة في فتح المضيق جزئيا سيعني لإيران خسارة ورقة ضغط يهدد بقاء النظام، ومن هنا تأتي أهمية تحذيره من أن “الجبهة الداخلية الإسرائيلية” قد تصبح هدفًا لهجوم قريب.

نصر مؤقت

وفي معاريف، ذهب آفي أشكينازي، المراسل العسكري للصحيفة والمتابع لشؤون الجيش والجبهات الشمالية، إلى قراءة أكثر تشددًا، إذ اعتبر أن وقف إطلاق النار منح إيران “نوعا من النصر، وإن كان مؤقتا”، لأن النظام بقي قائمًا، واحتفظ بمشروعه النووي، وبدأ إعادة بناء منظوماته الهجومية والدفاعية.

والأهم في مقاله أنه ربط بين هرمز وميرون، فإيران لا تفرض حضورها في الخليج فقط، وفق قراءته، وإنما تمتد إلى شمال إسرائيل عبر حزب الله. لذلك استحضر منع الاحتفالات في ميرون (مكان يحتفل فيه بعيد الشعلة “لاغ بعومر” )) وإرسال آلاف من رجال الشرطة خشية استهداف حزب الله للمكان.

ويؤكد أشكينازي أن إيران “لا تقتصر على فرض سيطرتها في هرمز فحسب، بل تمتدّ إلى شمال إسرائيل”، مما يعكس تحول الأزمة من صراع بحري إلى شبكة جبهات إيرانية من الخليج إلى الجليل.

وعلى خلاف النبرة الحادة لدى أشكينازي وبن يشاي، قدّم عاموس هارئيل في هآرتس، وهو من أبرز المحللين العسكريين في الصحافة الإسرائيلية ويميل عادة إلى قراءة المؤسسة الأمنية ضمن سياق سياسي أوسع، معالجة أكثر حذرًا، حيث رأى أن ترامب -في قرار واحد- رفع مستوى التوتر في الخليج، وأن وقف إطلاق النار أصبح مجددًا “على المحك”.

يضيف “لا ينبغي الاستهانة بحجم الخطر”، فالطرفان على بعد خطوة من تصعيد شامل، لأن عودة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قد تجر واشنطن وطهران إلى مواجهة أوسع. كما يشير إلى أن نتنياهو “لا يخفي دعمه لاستئناف الحرب مع إيران”، في حين يبقى ترمب مقيدًا بالرأي العام الأمريكي وأسعار الوقود وحسابات لقائه المرتقب مع الرئيس الصيني.

وفي هيئة البث (كان 11)، كشف إيتاي بلومنتال، مراسل الشؤون العسكرية، زاوية عملياتية لا تقل أهمية، فإسرائيل “تستعد لانهيار وقف إطلاق النار”، وهناك “استعداد فوري للرد على أي هجوم إيراني ضد إسرائيل”.

والجديد في تقريره أن العملية الأمريكية لفتح هرمز “تتم بالتنسيق مع إسرائيل”، وأن الأمريكيين أبلغوا تل أبيب بالخطط العملياتية لكسر الحصار البحري.

ويقول إنه تم رصد “تحركات غير معتادة لطائرات التزود بالوقود الأمريكية في سماء إسرائيل”، انطلاقًا من القاعدة الأمريكية في مطار بن غوريون باتجاه الخليج، وهذه ليست معلومة هامشية؛ فهي تشير إلى أن إسرائيل قد تصبح جزءًا من بنية الدعم العملياتي الأمريكي، وأن أي هجوم إيراني على هذه الطائرات قد يفتح باب الرد الإسرائيلي المباشر.

الكرة بملعب إيران

وفي القناة 12، ركّز يارون أبراهام، المراسل السياسي المعروف بقربه من دوائر صنع القرار، على المشاورات المغلقة في إسرائيل، مشيرا إلى أن سلسلة مشاورات أمنية وسياسية عُقدت في دوائر ضيقة “لم تصل، عن قصد، إلى الوزراء”، بما يعكس حساسية الموقف والخشية من التسريبات أو توسيع النقاش الحكومي.

وينقل أبراهام عن مصدر أمني إسرائيلي قوله: “إذا كانت الكرة حتى الآن في يد ترمب، فقد انتقلت الآن إلى ملعب الإيرانيين. فإذا قرروا القتال من أجل ممر هرمز، فهذا يعني عودة القتال”.

وهنا تظهر القراءة الإسرائيلية للمرحلة وهي أن ترمب اتخذ خطوة محسوبة، لا يريد حربًا واسعة، لكنه وضع طهران أمام اختبار، فالرد الإيراني هو الذي سيحدد إن كانت الهدنة ستصمد أو تنهار.

وتتقاطع قراءات المعلقين الإسرائيليين عند فكرة أن هرمز لم يعد ممرًا بحريًا فقط، بل اختبارًا لبقاء الهدنة ولمكانة إيران الإقليمية ولقدرة ترامب على فرض قواعد جديدة.

هيلر وبلومنتال ركزا على الجاهزية الإسرائيلية والتنسيق العملياتي مع واشنطن، وبن يشاي وأشكينازي قرآ التصعيد كدليل على أن إيران تقاتل دفاعًا عن آخر أوراقها، بينما قدّم هارئيل وأبراهام قراءة أكثر توازنًا وهي أن الحرب ليست حتمية، لكنها صارت أقرب مما كانت عليه.

المصدر: الصحافة الإسرائيلية