الرئيسية » المدونة » لا تبيعوا التعليم العالي

لا تبيعوا التعليم العالي

أحب كلية الهندسة في الجامعة الأردنية لأسباب سياسية، فمع أني تخرجت من جامعة اليرموك، إلا أني احتفظت بصادقات لمهندسين كانوا طلابا يخوضون انتخابات الجمعيات واتحاد الطلبة من بعد. الشباب المتحمسون تقدموا في دنيا الأعمال، منهم من عمل في مايكروسوفت وجنرال موتورز وغيرها، وإلى اليوم ما يزال للكلية حضورها، وفي تقرير عن “الطاقة البديلة” شاهدت كيف يجلس في ورشة العمل الأستاذ الأردني بندية مع نظيره الألماني. <br /> <br />ذلك البريق لا يخفي الواقع الصعب للتعليم العالي في الأردن. في جولتي في الكلية التي كنت أزورها قبل عشرين عاما صدمت عندما رأيت أن جدران قسم الهندسة المعمارية أكلتها الرطوبة ونالت من لوحات الطلاب المعلقة! هذا من حيث الشكل. أما واقع المدرسين فلا مزيد على دراسة الدكتور أنور البطيخي التي دقت ناقوس الخطر ولم يستمع لها أحد. <br /> <br />في تلك الدراسة التي رصدت العام الدراسي 2007-2008 كشف الأمين العام للمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا أن 776 أستاذا جامعيا من حملة الدكتوراه في الجامعات الأردنية الرسمــــية تركوا عملهم خلال الفترة الممتدة بين أيلول 2007 وأيلول 2008. وكانت أعلى نسبة في الجامعة الأردنية، حيث بلغ عدد الأساتذة الذين تركوا الجامعة 323 أستاذا، وتلتها جامعة اليرموك وعددهم 155 أستاذا، ثم الجامعة الهاشمية وعددهم 100 أستاذ. <br /> <br />في حين بلغ عدد الأساتذة الذين تركوا جامعة العلوم والتكنولوجيا 78 أستاذا، وتلتها جامعة الطفيلة 37 أستاذا، وغادر جامعة الحسين بن طلال في الفترة نفسها 26 أستاذا، و”آل البيت” 22 أستاذا، و”البلقاء” 16 أستاذا، و”الألمانية الأردنية” تسعة أساتذة، و”مؤتة” خمسة أساتذة. <br /> <br />وأرجع عدد من أساتذة الجامعات هذه النسبة الكبيرة إلى تدني رواتب أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات الأردنية الرسمية، وحذروا من استمرار الوضع الحالي في ظل تدني الرواتب وهجرة الكفاءات، فإن ذلك سينعكس على العملية التعليمية بشكل عام. <br /> <br />لم تصمد مؤسسات التعليم العالي أمام وحش التخاصية فكانت من أولى ضحاياها، وما يقال اليوم عن احتضار الجامعات وأزمة الجامعات يعود بالدرجة الأولى إلى منطق بيع التعليم وإخضاعه للحسابات التجارية قبل عقدين من الزمان. <br /> <br />وبات الحديث عن التعليم العالي بوصفه “علما” لا تجارة ضربا من الاشتراكية. سمح للجامعات الخاصة أن تعمل على أسس تجارية، وعلى أهمية الدور العلمي والاستثماري لأكثرها لا يخفي ذلك اختراق أميين وأشباه متعلمين للشركات المستثمرة وغدو بقوة المال يتحكمون بالأساتذة والطلاب. وخضعت الجامعات العامة للحسبة التجارية فصارت تقبل طلابا أكثر على حساب النوعية، وصار من يملكون ثمن التعليم الموازي مقدمين على من لا يملكون. <br /> <br />وفي المنطق التجاري صار الحديث عاديا عن “ديون” الجامعات. وكأنها مستثمر فاشل خسر في البورصة! لا يتعارض العلم مع التجارة، والعقلية غير التجارية هي التي رفدت التجارة بأهم المهندسين والأطباء والمحاسبين.. ولو فكر مؤسسو كلية الهندسة أو الطب بعقلية تجارية لما أسسوهما. وفوق ذلك العلم هو العلم وعالم لغة مثل ناصر الدين الأسد لا يقل أهمية عن عالم في الطب مثل كامل العجلوني أو عالم في التربية مثل إسحق الفرحان. <br /> <br />لا ضير في تلبية شره الشهادات أردنيا وعربيا، ففي أميركا التي تضم أفضل جامعات العالم يوجد حسب جون بير خبير التعليم عن بعد في “دليل بير للحصول على الشهادات غير التقليدية” 484 جامعة وهمية وحقيقية تمنح شاهدات وهمية، ومن يبحث في محرك جوجل عن “شهادات كذبية” يجد 105 آلاف مؤسسة تمنح شهادات مجانا أو مقابل 3 آلاف دولار. <br /> <br />لبّوا شره الشهادات ولكن لا تبيعوا التعليم العالي. <br /> <br /></p></div></h4>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *