مقالات

لماذا يعادي الشاب بن سلمان الشباب العربي؟

مع أنه شاب، ويحيط نفسه بمستشارين شباب، إلا أن سياسته معادية للشباب، بشكلٍ يصعب على الفهم. من المفروض أن يرى، محمد بن سلمان، نفسه في الشباب العربي الذي خرج إلى الشوارع، مطالباً بالحرية والكرامة والعيش الكريم. لا أن يرى نفسه في الطبقة الحاكمة الشائخة. في فترة حكمه، وهو الحاكم الفعلي للسعودية، منذ الانقلاب على ولي العهد، محمد بن نايف، لم يعد أمام الشباب السعودي، حتى الموالي والمسالم، أي مجالٍ للتعبير عن نفسه، ومورس بحقه قمعٌ غير مسبوق في تاريخ المملكة التي لم تعرف الديموقراطية، لكنها ظلت تتمتع بقدر من التسامح مع مواطنيها.
ليست القضية تعبئة ضد الإسلاميين فقط، قائمة المعتقلين تضمهم وتضم خصومهم من ليبراليين وغيرهم، الصفة الغالبة عليهم أنهم شباب، ذكوراً كانوا أم إناثاً. يتعدّى العداء حدود المملكة ليشمل الشباب العربي بشكل عام. وبدا ذلك واضحاً في موقفه من الجزائر، إذ سارع إلى استدعاء خليفة حفتر من ليبيا في خطوةٍ مكشوفةٍ لحصار الجزائر من خاصرتها الرخوة، وتحويل أحلام الشباب الجزائري إلى كوابيس. صحيح أنه غضب لسوء استقباله في الجزائر، لكن الشارع الجزائري، يومها، مثل التونسي، لم تكن بينه وبين محمد بن سلمان قضية شخصية، كانت قضية قتل جمال خاشقجي ساخنةً في ظل موجة تعاطف دولية وعربية معه.
ليست قضية خاشقجي جزائرية، ولدى الشباب الجزائري مطالب ومشاغل تنسيه محمد بن سلمان وجرائمه، ومن المفروض لشخصٍ، يعد نفسه لحكم نصف قرن، ألا يدخل في عداء مع الشباب في بلده أو في الجزائر والعالم العربي. لكنه لا يدّخر سبيلاً إلا ويظهر عداءه لجيل الربيع العربي، ويمارس الانتقام بحقه. ولديه وهم أن نجاحه الظاهر في السيطرة على المجتمع السعودي، وقمع أي صوت معارض، قابل للتكرار في العالم العربي، مع أنه سيكتشف أن هذا غير ممكن في السعودية نفسها، فشاب مثل عصام الزامل كرّم على أعلى مستويات في السعودية، ورافق وفوداً رسمية سعودية، ناقش مغامراته الاقتصادية، يُسجن ويُمارس عليه تعذيب وحشي، بقصد تدمير نفسيته وقدراته العقلية. من يدخل حساب عصام الزامل يعتقد أنه محافظ البنك المركزي السعودي في حرصه على اقتصاد بلده. كان في وسع عصام أن يكون جزءاً من جوقة المطبلين، ويضمن موقعاً متقدماً في الدولة، لكنه احترم نفسه، وحافظ على أمانة العلم الذي يحمله.
شاب وعنده كرامة؟ تبدو هذه مشكلة عصام وغيره من الشباب، فتعريف الشاب في السعودية الجديدة هو الشاب الراقص في حفلات هيئة الترفيه، الراقص ولاءً لا احتجاجاً، فلو ظهر رقص احتجاجي كرقص الأفارقة الأميركيين في السعودية لحُصد الراقصون بالرصاص. المطلوب من الشباب السعودي أن يرقص لإرضاء سيده، ومن لا يرقص ويصمت قد تطاوله المحاسبة. قبل السعودية “الجديدة” كنتَ تسمع نقاشاً سعودياً جدّياً في الندوات والإعلام ومنصات التواصل وخصوصاً “تويتر”. الآن لا صوت يعلو على صوت الحفلات الصاخبة التي تذكر بوسائل تعذيب المساجين بالضوضاء.
يُرجع كثيرون سلوك محمد بن سلمان إلى تأثير ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، عليه. وجزء من ذلك صحيح، لكن القضية أعمق، فهو يغار من جيله، ولا يريد شباباً أنداداً، يريد عجوزاً يتكئ عليه، أو شاباً راقصاً ومهرّجاً. والفريق المحيط به، مثل سعود القحطاني وتركي الدخيل وتركي آل الشيخ، يحسنون الرقص والتهريج، ولا يجرؤون على مناقشته في قضية. حتى في اغتيال جمال خاشقجي، عندما قال محمد بن سلمان، حسب ما كشفت تقارير المخابرات الأميركية، لتركي الدخيل إن جمال يحتاج طلقة، لم يعترض الأخير، مع أن جمال زميله في صحيفة الحياة وفي مقام أستاذه. أما الشاب سعود القحطاني فقد تفتقت عبقريته في أسوأ تنفيذ لأسوأ جريمة. مثل هؤلاء الشباب يعمّرون مجلسه بالمدائح والتهريج في مقابل التحريض على الشباب السوي الطبيعي الذي يريد أن يعيش بكرامة، سواء في السعودية أو الجزائر.
يحتاج محمد بن سلمان، وغيره من الحكام، إلى شباب مثل عصام الزامل، ومثل من يملأون شوارع الجزائر، أما المهرّجون فقد يضحكونك ساعة، تندم عليها عمرك!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *