الرئيسية » المدونة » مسّت بطعام 70% من الأُسر.. انتخاب رئيس سريلانكيّ جديد هل ينهي الأزمة أم يفاقمها؟

مسّت بطعام 70% من الأُسر.. انتخاب رئيس سريلانكيّ جديد هل ينهي الأزمة أم يفاقمها؟

اقترب احتياطي العملات الأجنبية في سريلانكا من الصفر في منتصف أبريل/نيسان الماضي، فأعلنت الحكومة تعليق سداد الديون الخارجية، وأدى ذلك إلى توقف الاقتصاد فعليا، ووصل معدل التضخم إلى أكثر من 50%، وأجبر ارتفاع أسعار المواد الغذائية 70% من الأسر على الحد من تناول الطعام، وصار ما يقرب من نصف أطفال البلاد بحاجة إلى مساعدة طارئة.

تولى رئيس سريلانكا الجديد رانيل ويكريمسينغه منصبه نهاية الأسبوع الماضي، فيما تواجه البلاد انهيارًا اقتصاديًا وعدم استقرار سياسي ونقصا في الغذاء والوقود. ويعتبر ويكريمسينغه أحد أركان الحكم في سريلانكا منذ عقود، ومن الداعمين لعائلة راجاباكسا ذات النفوذ السياسي الواسع، حيث تولى رئاسة الوزراء 6 مرات كانت أخراها في عهد الرئيس المخلوع جوتابايا راجاباكسا.

وتعرّض منزل ويكريمسينغه للحرق من قبل المحتجين، إلا أن تزعّمه الحزب الوطني ذا الأغلبية في البرلمان، مكّنه من تولي موقع الرئاسة، في إشارة واضحة إلى أن الأزمة السياسية في البلاد لم تغادر مربعها الأول بل هي مرشحة للاستمرار.

الرئيس الجديد رانيل ويكريمسينغه يواجه إرثا سياسيا واقتصاديا ثقيلا (رويترز)

ما الواقع الذي يرثه الرئيس الجديد؟

يواجه الرئيس الجديد إرثاً ثقيلاً من الأزمات الاقتصادية والسياسية، ومطلوب منه أن يعالجها تحت ضغوط المحتجين والوضع المالي شبه المفلس للدولة، وضمن مفاوضات ستكون شاقة مع الدائنين الخارجيين، بالإضافة للمفاوضات حول برنامج صندوق النقد الدولي.

ومع توليه السلطة، أصدر ويكريمسينغه أوامره لقوات الأمن والجيش بفض التظاهرات وسط العاصمة كولومبو، وإخلاء المقار الحكومية منهم، بما في ذلك مقرا رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة.

ولم يحوِ خطابه أمام البرلمان -الذي تسيطر عليه أغلبية مساندة لعائلة راجاباكسا- أي تعهدات واضحة بالإصلاح السياسي، بل تعهد بملاحظة المتظاهرين ومنع تكرار ما حدث، مما يزيد من الشكوك حول مصداقية أية حكومة جديدة يشكلها أمام الجمهور والمحتجين لاستعادة الهدوء بطريقة دائمة، خاصة أنه قد قام بتعيين زميله دينيش جوناواردينا -حليف راجاباكسا أيضا- رئيسا للوزراء وشريكا في مهمته الصعبة لإنقاذ البلاد من مأزقها.

ما واقع الأزمة الاقتصادية وأسبابها؟

تعاني سريلانكا من انهيار اقتصادي كبير يعلله الخبراء بتفشي الفساد على نطاق واسع، وبتراجع عائدات السياحة بفعل الإغلاقات الكبيرة التي رافقت جائحة كورونا، لتأتي الحرب الروسية الأوكرانية وتزيد الأوضاع سوءا بارتفاع أسعار الوقود.

واضطرت الحكومة إلى فرض حظر على مبيعات البنزين والسولار لأصحاب السيارات الخاصة، مما إلى تشكل طوابير امتدت لأيام من أجل الحصول على هذه الطاقة، فضلا عن انقطاع التيار الكهربائي.

ومع اقتراب احتياطي العملات الأجنبية من الصفر في منتصف أبريل/نيسان الماضي، أعلنت الحكومة أنها ستعلّق سداد الديون الخارجية التي يبلغ مجموعها أكثر من 50 مليار دولار. ومنذ هذا التخلف عن السداد -وهو الأول من نوعه في سريلانكا- توقف الاقتصاد فعليا ووصل معدل التضخم إلى أكثر من 50%، حيث أجبر ارتفاع أسعار المواد الغذائية 70% من الأسر على الحد من تناول الطعام، ويحتاج ما يقرب من نصف أطفال البلاد إلى مساعدة طارئة، حيث أطلقت كل من الأمم المتحدة والصليب الأحمر نداءات عاجلة لتمويل الغذاء والمساعدات الإنسانية الأخرى، مع تحذير اليونيسيف من “حالة طوارئ إنسانية كاملة”.

مظاهرات في سريلانكا تطالب بإقالة الرئيس الجديد وبحلِّ الأزمة الاقتصادية (الأناضول)

هل يحلّ تجدد المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الأزمة؟

وأدى فشل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي -حيث سعت حكومة راجاباكسا للحصول على حزمة إنقاذ تتراوح قيمتها بين 3 و4 مليارات دولار- إلى دخول البلاد في حالة “شبه إفلاس”. وأعلنت الحكومة أن احتياطها من العملات الأجنبية لم يعد يتجاوز 50 مليون دولار، وهو ما لم يحدث لأي دولة آسيوية منذ عقود طويلة.

ولحل هذه الأزمة غير المسبوقة، على الرئيس الجديد أن يباشر مرة أخرى مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، إلا أن موافقته على طلب الحكومة الجديدة مرهون بإجراء الإصلاحات اللازمة للحصول على خطة الإنقاذ المطلوبة البالغة 3 مليارات دولار، إذ لن يصرف الصندوق أية أموال حتى يعتبر الدين الخارجي لسريلانكا “مستداما”.

ولكي يحدث ذلك، يجب أن تتوصل سريلانكا إلى اتفاق لإعادة هيكلة ديونها الخارجية، وهنا سيتعين على الدائنين الدوليين قبول مدفوعات أقل على السندات، أو خفض معدلات الفائدة، أو تمديد فترات السداد. وعندها سيكون أقرب تاريخ محتمل لصندوق النقد الدولي للإفراج عن الأموال هو أوائل 2023 المقبل.

إلا أن ذلك -في حال نجح ويكريمسينغه في تحقيقه- لن يكون كافيا للخروج من الأزمة؛ إذ يواجه الرئيس أيضا مفاوضات شاقة مع الدائنين الدوليين، وأبرزهم: الصين والهند واليابان وبعض الدول الأوروبية. وكان ويكريمسينغه قد فشل في ذلك أثناء توليه رئاسة الوزراء، نظرا لغياب الضمانات المالية والاقتصادية الكافية لإقناع هذه الجهات بجدولة ديونها

ما الخيارات أمام الحكومة إذن؟

هذا المشهد المعقّد قد يجبر الحكومة الجديدة على تبني سياسات ضريبية تزيد من الضغوط على الشعب. فقد تكون السلطات مجبرة على زيادة ضرائب الدخل للشركات، وضرائب الدخل الشخصي، وضريبة القيمة المضافة، والرسوم الخاصة، والرسوم الإضافية على الاستيراد.

وبينما ينتظر أن تصبح الزيادات على ضريبة الدخل سارية المفعول اعتبارًا من الأول من أكتوبر/تشرين الأول كما هو متوقّع، دخلت الزيادة على ضريبة القيمة المضافة (من 8% إلى 12%) حيز التنفيذ في يونيو/حزيران المنصرم.

ويبقى أمام الحكومة الجديدة خيار الدعوة لمؤتمر للمانحين، وهي الفكرة التي يتبناها ويكريمسينغه، حيث يأمل في أن تتعهد الهند والصين واليابان -بالإضافة إلى دول أخرى- بتقديم الدعم، وسيتطلب الأمر ضخّا هائلا للدعم الإنساني بشكل عاجل من أجل “تمويل مرحلي” للسماح بدفع ثمن الوقود والإمدادات الأساسية الأخرى اللازمة لإعادة الاقتصاد إلى العمل وتجنب حدوث كارثة إنسانية وتجاوز اللحظة الراهنة.

أجبرت الاحتجاجات الشعبية في سريلانكا الرئيس راجاباكسا على الفرار من البلاد (غيتي)

هل يملك ويكريمسينغه رؤية إصلاحية وخاصة مع تدني شعبيته؟

جاء انتخاب ويكريمسينغه كخطوة حمائية قام بها أعضاء البرلمان الموالين لراجاباكسا الذين يرون في انتخاب ويكريمسينغه ضمانة لاستمرار نظام الحكم الحالي وبقاء سيطرتهم على البرلمان ودفع الانتخابات لأبعد فترة ممكنة. فالنظام الانتخابي يتيح لويكريمسينغه البقاء في السلطة حتى موعد الانتخابات المقرر في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

ويعد ويكريمسينغه شخصية مثيرة للانقسام، ولا تحظى بشعبية بين السريلانكيين الذين يحملونه أزمة نقص الغذاء والوقود والأدوية، وقد أحرق المتظاهرون -الأسبوع الماضي- منزله الخاص، ويتهمه منتقدوه بحماية أفراد من عائلة راجاباكسا، الذين يُلقى عليهم باللوم في قيادة البلاد إلى الخراب.

ورغم خبرته الطويلة في السياسة، فإن هناك شكوكا كبيرة في رغبته وقدرته على تقديم رؤى إصلاحية سياسية، وقد قوبل خطابه بعد توليه الرئاسة بهتافات تطالبه بالرحيل.

سيدتان تقفان في أحد شوارع كولومبو بانتظار معونات غذائية في ذروة وباء كورونا (رويترز)

ما الحلّ للأزمة السياسية؟

يتركز الحلّ السياسي للأزمة بأن توافق الحكومة الجديدة بشكل واضح على أنها تعمل على أساس مؤقت، وأن تلتزم بإجراء انتخابات جديدة قبل نهاية عام 2022، كما دعا الكثيرون في المعارضة والحركة الاحتجاجية.

ولكن هناك تحدّيا كبيرا بأن لا يوافق الرئيس الجديد ورئيس وزراؤه على انتخابات جديدة استجابة لضغوط الأغلبية البرلمانية التي تمثل العرقية السنهالية، وأن يسعيا بدلا من ذلك للبقاء في السلطة طوال المدة الحالية، مما سيشعر المحتجين بخيبة أمل كبيرة قد تدفع البلاد لموجة أخرى من الاحتجاجات، لكن بطابع سياسي أكثر من كونه اقتصاديا.

كما يتطلب تجاوز الأزمة السياسية أن تلتزم الحكومة الحالية أيضا بتعديل الدستور لإلغاء الرئاسة التنفيذية التي ركزت منذ عام 1978 قدرا كبيرا من السلطة في يد الرئيس، مما أدى إلى إضعاف مؤسسات الحكومة الأخرى وإلحاق أضرارا جسيمة بالديمقراطية السريلانكية.

وتتركز مطالب المعارضة وحركة الاحتجاج على التعديل العشرين الذي دفع به الرئيس المخلوع جوتابايا راجاباكسا والحزب الشعبي لسيراليون في أكتوبر/تشرين الأول 2020.

ووفقًا لحكم أصدرته المحكمة العليا في يونيو/حزيران، فإن أي تعديل يعيد السلطة التنفيذية للحكومة ومجلس الوزراء سيحتاج إلى عقد استفتاء شعبي، لكن هذا قد يدفع الحالة السياسية في البلاد إلى استقطاب عرقي حاد، وينقل الأزمة لمستويات لم تظهر بعد.

وتشير بعض التقارير إلى أن القومية السنهالية ما زالت تدعم عائلة راجاباكسا بشكل واسع، نظرا لدوره في القضاء على نمور التاميل عام 2009 في إنجاز اعتبر الرافعة الرئيسية لعائلة راجاباكسا.

هل لدى الحكومة الجديدة القدرة على مكافحة الفساد وتجاوز الأزمة؟

ستكون قدرة الحكومة الحالية على إثبات جدية التحقيقات الجنائية في مزاعم فساد الحكومات السابقة اختباراً حقيقياً لقدرتها على إقناع المحتجين بتجاوز الأزمة الراهنة، مما يتطلب إعادة إنشاء وحدات التحقيق الشرطية المتخصصة التي كانت نشطة من 2015 إلى 2019، وتقديم الدعم الكامل لهيئة مكافحة الرشوة المستقلة، والتعاون مع لجان الرقابة البرلمانية، ودعم التشريعات لإنشاء مكتب المدعي العام المستقل في النيابة.

ويعني ذلك أن التحقيقات ستطال النخبة الحالية المتمرسة في البرلمان، حيث من المتوقع أن يسعى البرلمان لعرقلة هذه الإجراءات أو الحد من تأثيرها.

ويشير الوضع الحالي للحكومة الجديدة إلى أنها بحاجة لموافقة الأطراف الخارجية وخاصة الدائنة والمانحة وصندوق النقد الدولي، وهو أمر بالغ التعقيد. كما ستبقى رهينة للنخبة الحاكمة ذاتها التي تدعم الرئيس المخلوع جوتابايا راجاباكسا، وتحرص على إدارة الأزمة عوضا عن حلها.

وفي الجانب الآخر، ستبقى الأزمة الاقتصادية والمعيشية تلقي بظلالها لأشهر قادمة، وستظل الاحتجاجات حاضرة وقد تتعزز في حال فشلت الحكومة الحالية في تحقيق إصلاحات اقتصادية وسياسية مقنعة، وهو ما ترجحه الوقائع الحالية.المصدر : الجزيرة

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *