الرئيسية » المدونة » نهاية حزب الله

نهاية حزب الله

عندما أكتب عن نهاية حزب الله، تسطع في ذاكرتي صور ثلاثة أكياس صغيرة شاهدتها في حرب تموز (يوليو) 2006. كانت تلك الأكياس التي حملها أحد مقاتلي الحزب هي ما تبقى من شهداء ثلاثة قصفتهم الطائرة الإسرائيلية وهم يطلقون الصواريخ. المشهد كان أكثر فظاعة من “قانا” التي بقيت فيها الجثث على حالها بعد تدمير الملجأ.
في ذلك العام، خاض الحزب الحرب في ظل انقسام عربي بين محوري الممانعة والاعتدال، لكن الأمة تعاملت مع تضحيات الحزب متجاوزة الانقسام السياسي والمذهبي، وغدا حسن نصرالله الشخصية الأكثر شعبية وحضورا في العالم العربي.
ذلك الإرث من التضحيات، أعطى الحزب رصيدا حتى في ظل دخوله اللعبة السياسية من بوابة انقسامية. وعندما اجتاح بيروت في صراع طائفي مذهبي، لم يجد احتجاجا في الأوساط السنية التي اعتبرت بمجملها، وخصوصا خارج لبنان، أن من حق المقاومة حماية أمنها واتصالاتها. وللتاريخ، ظل الحزب الطرف الأقل طائفية في تعامله مع السنة؛ سواء كانوا لبنانيين أم فلسطينيين. وعندما تقيأ كثير من اللبنانيين مخلفات الحرب الأهلية في حرب مخيم نهر البارد، وقف الحزب موقفا محترما من الوجود الفلسطيني.
لم تزد المواجهات مع الصهاينة حزب الله إلا قوة وحضورا على مستوى لبناني وعربي. ورحيل قادته، من عباس الموسوي إلى عماد مغنية، لم يزعزع مكانة الحزب. لكن هذه المكانة بدأت تهتز مع الثورة السورية، إلى أن انتهت تماما ولم يعد الحزب في نظر الأكثرية الساحقة غير ميليشيا طائفية، تقاتل دفاعا عن سفاح. تسمع هذا في مقاهي القاهرة وفي شوارع غزة.
لم يكن مطلوبا من الحزب أن يتضامن مع الثوار ويزودهم بالسلاح؛ كان المطلوب هو الحياد الإيجابي. وكان بإمكانه أن يحول دون وقوع مجازر في القرى المجاورة له، لا أن يشارك فيها أو يسهل القيام بها. كان بإمكانه أن يمارس الوساطة الحقيقية، وأن يعمل على الحل السياسي. لكن الحزب لم تكن لديه خيارات؛ فهو وفق نظامه وعقيدته، يخضع لأوامر ولي أمر المسلمين المرشد الأعلى. وولي الأمر قرر الوقوف مع بشار مهما كان الثمن.
في 28 آذار (مارس) 2011، وبعد عشرة أيام من الثورة في درعا، وبحسب ما تنقل مصادر على صلة وثيقة بالحزب، جرى اجتماع في دمشق حضره قاسم سليماني المسؤول في الحرس الثوري الإيراني، وقيادات أمنية وعسكرية سورية ومن حزب الله، وضعت استراتيجية سحق الثورة. وبنبرة طائفية، يُنقل عن بشار قوله: “في حماة أسكتناهم ثلاثين سنة، اليوم سنسكتهم مئة سنة”. ومن يومها أخذ الحزب موقعه في المعركة؛ بدءا بالجانب الأمني والحرب الإلكترونية، ثم الاختطاف والاغتيال والقنص، وصولا إلى اجتياح قرى وبلدات سورية.
هذه نهاية حزب الله، ونهاية أي حركة مقاومة تنقل البندقية من العدو إلى الأخ، وتفتقر إلى أبسط الشروط الإنسانية والأخلاقية والدينية. وهذا ما أفقد الحزب قوته الأساسية؛ فليست قوته اليوم خمسين ألف صاروخ موجه لإسرائيل، بل هي من يقف وراء تلك الصواريخ، أي الذين لا تتبقى لهم جثث وهم يطمعون بما عند الله لا بما عند الناس. والصواريخ تعوض، لكن عندما يتحول المقاتل إلى مجرم يستبيح دماء الأبرياء، تفقد تلك الصواريخ بوصلتها.
إن قناصة حزب الله يعانون من غبش شديد وهم يسددون بنادقهم نحو شوارع استقبلت في حرب تموز أهلهم وصانت أعراضهم، ولم تسألهم عن مذهبهم. ومؤسف أنهم يشاهدون الجيش الإسرائيلي بدون مناظير ولا يطلقون عليه الرصاص، وهو ويحتل القدس والجولان و”مزارع شبعا”! وهم لليوم لم يأخذوا بثأر عماد مغنية الذي قتل في شوارع دمشق. في 28 آذار (مارس) 2011 انتهى حزب الله، وصار حزب بشار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *