الرئيسية » المدونة » هل عاد زمن الاستشهاديين الفلسطينيين؟

هل عاد زمن الاستشهاديين الفلسطينيين؟

أعادت الوصية المسجلة للشهيد الفلسطيني سيف أبو لبدة، الذي اغتيل فجر السبت الماضي، الفلسطينيين إلى زمن الانتفاضة الثانية، حين كان الاستشهاديون يسجلون وصاياهم وتُنشر بعد تنفيذهم عمليات مقاومة نوعية تؤدي لاستشهادهم. وجاء اغتياله ضمن أجواء تشهد صعوداً لعمليات المقاومة ضد الاحتلال، إذ شهد شهر مارس/آذار الماضي استشهاد 32 فلسطينياً واعتقال 1400، مقابل مقتل 11 جندياً ومستوطناً إسرائيلياً في ثماني عمليات طعن وإطلاق نار.

وانتشرت وصية مصورة لأبو لبدة بعد ساعات من استشهاده فجر السبت وهو بلباس عسكري، ويتلو آيات من القرآن الكريم، وهي مطابقة لوصيته المكتوبة التي وجدها الاحتلال في السيارة التي كان يستقلها مع رفيقيه صائب عباهرة وخليل طوالبة، وقام إعلام الاحتلال بنشرها، وبدأها قائلاً: “أنا العبد الفقير إلى الله الشهيد الحي سيف أبو لبدة”.

وقال الشهيد في وصيته: “أعلن سراً وعلانية أنني مجاهد في سبيل الله، ابن سرايا القدس الذراع العسكرية لحركة الجهاد، أقاتل تحت لوائها لواء الإسلام العظيم ولرفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله على بيت المقدس وأكناف بيت المقدس”.

وشارك الشهداء الثلاثة، سيف أبو لبدة وصائب عباهرة وخليل طوالبة، مساء الجمعة، في عرض عسكري في مخيم جنين كان فيه نحو 40 مسلحاً فلسطينياً يطلقون على أنفسهم “كتيبة جنين”، وقاموا بعد العرض بتقديم العزاء بالشهيد سند أبو عطية الذي استشهد يوم الخميس في المخيم.

واشتبك الشهداء مع القوة الخاصة الإسرائيلية التي كمنت لهم، وتمكنوا من إصابة قائد الفرقة الخاصة بجراح خطيرة، ما اعتبرته إسرائيل فشلاً عسكرياً في تنفيذ العملية من دون خسائر في صفوفها.

خشية إسرائيلية من المقاومين الفلسطينيين

واعتبر رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينت أن اغتيال أبو لبدة ورفاقه كان “إحباطاً لقنبلة موقوتة”، قائلاً: “ستكون هناك العديد من المحاولات التي نعمل خلال هذه الساعات على منعها أيضاً”. وجاءت تصريحات بينت عقب انتهاء جلسة مشاورات أجراها، مساء السبت الماضي، مع رئيس “الشاباك” رونين بار، في مقر الجهاز في تل أبيب.

اعتبر نفتالي بينت أن اغتيال أبو لبدة ورفاقه كان “إحباطاً لقنبلة موقوتة”

ومن غير المعلوم كيف ستواجه حكومة الاحتلال المقاومين الفلسطينيين الذين أصبحوا على حد تعبير الاحتلال” قنابل موقوتة”، إذ تولد قنبلة أو أكثر عقب استشهاد أي مقاوم، في عملية غير منتهية ما بقيت إسرائيل تقتل وتعتقل وتسرق الأرض.

فالشهيد أبو لبدة، الذي كان يمتلك محله الخاص لبيع وتصليح الهواتف الخليوية ومنزلاً مجهزاً كان يُفترض أن يتزوج فيه كما خططت له عائلته، سرعان ما تغير مسار حياته بعد اعتقاله وتعذيبه، واستشهاد رفيقه في الأسر عبد الله الحصري (22 عاما) من مدينة جنين، في الأول من مارس/آذار الماضي، خلال اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال في مخيم جنين التي نفذت عملية خاصة لاغتيال الحصري.

وبات أبو لبدة مطلوباً للاحتلال منذ نحو ثلاثة أشهر، بعد أن اتصل به ضابط مخابرات إسرائيلي أكثر من مرة ليسلم نفسه، ولكن أبو لبدة رفض ذلك. وتوالى اقتحام الاحتلال بيت عائلته في الأشهر الأخيرة.

واعتُقل أبو لبدة مرتين، الأولى لمدة عام واحد وأفرج عنه في 2017، والثانية منذ عام 2020 إلى 2021، وهناك في المعتقل تعرّف على الحصري وباتا صديقين مقربين ورفيقي سلاح.

وعانى الحصري وأبو لبدة من التعذيب في سجون الاحتلال، إضافة إلى الإهمال الطبي. الأول عانى من جرثومة في المعدة زادت من معاناة السجن، وكانت تتركه طريح الأرض من الألم لساعات. أما أبو لبدة فاعتُقل بعد فترة من معاناته من التهاب العصب السابع في الوجه، والذي يؤدي إلى شلل في نصف الوجه بسبب التهاب فيروسي أو إصابة بالبرد.

وحسب عاصم أبو لبدة شقيق الشهيد، فإن ضباط التحقيق كانوا يعمدون إلى ضرب شقيقه على وجهه خلال التحقيق معه، وتحديداً على الجهة التي تعاني من التهاب العصب السابع بشكل متعمد. وقال أبو لبدة لـ”العربي الجديد”: “كان يقول لي لقد آذوني وعذبوني كثيراً في الاعتقال الأخير، ولن أعود إلى السجن مهما كلّف الأمر”.

توالي الاعتقال والملاحقة من الاحتلال دفع الشهيد أبو لبدة لإنهاء خطوبته، ليظهر لاحقاً في صوره ومقاطع الفيديو وقد وضع خاتم الخطوبة على سلاحه، في إشارة رمزية لارتباط لا يكون الانفصال فيه إلا بالموت، وهذا ما كان، إذ ظهر في عرض عسكري لمرة أخيرة مع سلاحه في مخيم جنين قبل يوم من استشهاده.

وفي اليوم الذي سبق استشهاده، قام أبو لبدة بتدشين مياه سبيل في مخيم نور شمس للاجئين قرب مدينة طولكرم، حيث يعيش، عن روح الشهداء ومنهم صديقه الحصري، وخاله أشرف البردويل الذي استشهد عام 2001 في اشتباك مسلح مع الاحتلال في العمر ذاته الذي استشهد فيها أبو لبدة، أي نهاية العشرينات، وكلاهما كانا ينتميان لـ”سرايا القدس”، الذراع العسكري لـ”الجهاد الإسلامي”.تقارير عربية

دعوات لتصعيد المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال رداً على جرائم الاغتيال

تصعيد في عمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي

وإذا كان أبو لبدة والحصري قد ذاقا معاناة الأسر والتعذيب والإهمال الطبي، فإن رفيقي أبو لبدة، وهما خليل طوالبة (24 عاماً) خريج التمريض من الجامعة الأميركية من مخيم جنين، وصائب عباهرة (30 عاماً) الذي يعمل في محل تجاري تمتلكه عائلته وهو أب لأربعة أطفال من قرية اليامون قرب جنين، كليهما لم يكونا مطاردين ولم يُعتقلا سابقاً. لكنهما سارا على درب المقاومة وتصدرا العرض العسكري لـ”كتيبة جنين” مساء الجمعة.

وقبل ساعات من اغتيال الشهداء الثلاثة، قتل الاحتلال الشاب أحمد يونس الأطرش بالرصاص الحي في الرأس مباشرة، في عملية اغتيال علنية في وضح النهار، حين كان يتصدر كعادته المواجهات التي اندلعت وسط مدينة الخليل.

الأطرش (29 عاماً) هو أسير محرر، أمضى ست سنوات في معتقلات الاحتلال وأفرج عنه عام 2020، وهو جريح سابق أصيب عدة مرات بالرصاص، وكان معروفاً في الخليل بأنه يحترف رمي “المولوتوف”، أي الزجاجات الحارقة، على نقاط الاحتلال والمستوطنين في بلدة الخليل. هذه التهمة اعتُقل على أثرها لدى السلطة الفلسطينية، ولاحقاً عند الاحتلال الذي حكم عليه بالسجن ست سنوات. كان الأطرش حافظاً للقرآن، ويداوم على الصلاة في المسجد، ويتمنى الشهادة دفاعاً عن أرضه، حسب ما أكدت عائلته.

شهد شهر مارس الماضي تصعيداً كبيراً في عمليات المقاومة وصلت إلى ثماني عمليات طعن وإطلاق نار معلنة

ومنذ بداية العام، استُشهد 32 فلسطينياً، وشهد شهر مارس الماضي تصعيداً كبيراً في عمليات المقاومة، وصلت إلى ثماني عمليات طعن وإطلاق نار معلنة، أدت إلى مقتل 11 من جنود الاحتلال ومستوطنيه، ما دفع الاحتلال لإطلاق عملية أسماها “كاسر الأمواج” للقضاء على المقاومين الفلسطينيين.

ويأتي إطلاق هذه العملية في ذكرى عملية “السور الواقي” التي نفذها الاحتلال في مثل هذه الأيام عام 2002 لردع عمليات المقاومة، ونتج عنها استشهاد 250 فلسطينياً واعتقال أكثر من خمسة آلاف، وتدمير مئات البيوت والمنشآت الفلسطينية. وعلى الرغم من ذلك، لم تستطيع قوة الردع الإسرائيلي إيقاف عمليات المقاومة، بل زادت واتسعت دائرتها لتضم مقاومين داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، نفذ ثلاثة منهم عمليات في العمق الإسرائيلي الشهر الماضي، أدت لمقتل ستة إسرائيليين على الأقل.

كما هو الأمر مع الشهيد محمد أبو القيعان (34 عاماً)، وهو مدرس من سكان قرية حورة في النقب، الذي نفذ عملية طعن في بئر السبع، يوم 23 مارس الماضي، أسفرت عن مقتل أربعة مستوطنين، وأيمن وإبراهيم إغبارية منفذي عملية الخضيرة في 28 مارس، التي أدت لمقتل اثنين من جنود الاحتلال.

وهؤلاء يعيشون في الأراضي المحتلة عام 1948، الذين اعتقدت إسرائيل أنها أخرجتهم من دائرة المقاومة، لكن مشاركتهم في معركة “سيف القدس”، في مايو/أيار الماضي، قلبت الحسابات الإسرائيلية، لتتبع ذلك عملية نوعية في منطقة بني براك قرب تل أبيب، نفذها الشهيد ضياء حمارشة (مواليد 1995) من بلدة يعبد في جنين، وهو أسير محرر، قتل فيها خمسة إسرائيليين قبل أن يستشهد.

إفلاس إسرائيلي وفشل في وقف العمليات

وتروّج حكومة الاحتلال أن حالة التصعيد في عمليات المقاومة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية هي بسبب حلول شهر رمضان وازدياد المشاعر الدينية أولاً، وأن هناك خلايا لـ”داعش” ثانياً، لتحرف الأنظار عن السبب الحقيقي وراء التصعيد، وهو الاحتلال وممارساته القمعية على الأرض التي لم يسلم منها أي فلسطيني.

وفيما يتذكر الفلسطينيون هذه الأيام ذكرى مجازر “السور الواقي” قبل عشرين عاماً، تصر إسرائيل على استخدام الردع الذي أثبت فشله جيلاً بعد جيل، بإطلاقها حملة عسكرية جديدة بعنوان” كاسر الأمواج” لردع الفلسطينيين.

اعتقلت إسرائيل منذ بداية العام الحالي 1400 فلسطيني حسب إحصائيات نادي الأسير

واعتقلت إسرائيل منذ بداية العام الحالي 1400 فلسطيني حسب إحصائيات نادي الأسير، وقتلت 32 فلسطينياً. وحسب الإحصائيات التي جمعها “العربي الجديد”، فإن خمسة فلسطينيين استشهدوا بعد تنفيذهم عمليات طعن منذ مطلع العام، فيما استشهد تسعة آخرين في اشتباكات مسلحة وخلال عمليات اغتيال خاصة، بينما استشهد ثلاثة شهداء بعد تنفيذ عمليات وإطلاق نار في العمق الإسرائيلي، وجميع هذه العمليات لا تربطها أي علاقة بعضها مع بعض.

ورأى الخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد، في تعليق لـ”العربي الجديد”، أن تصريحات بينت عن حملة ردع جديدة بعنوان “كاسر الأمواج” هي “تعبير حقيقي عن حالة الإفلاس التي وصلت إليها إسرائيل، ولو كان بينت يستطيع حماية الإٍسرائيليين لما كان ليطلب منهم أن يتسلحوا ليحموا أنفسهم”.

وتابع: “هناك ثلاث عمليات في الأسبوعين الأخيرين جرى تنفيذها في العمق الإسرائيلي وأسفرت عن أحد عشر قتيلاً، عمليات لا يوجد وراءها تنظيم عسكري، أو بنية تحتية لحزب ما، حتى يُدمّر، وما يفعله الاحتلال بعد كل عملية هو اعتقال المئات من الفلسطينيين للبحث عن واحد أو اثنين قاما بمساعدة أحد المنفذين من دون جدوى”.تقارير عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *