الرئيسية » المدونة » هل يحافظ السبسي على إرثه؟

هل يحافظ السبسي على إرثه؟

دافع الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، عن لقائه بولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، بأنه تكلم معه بصراحة الأب لابنه في قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي. وبحسب مقربين منه، فإنه طلب منه فوق ذلك إنهاء الحصار المفروض على قطر. لكن ما جرى خلف الجدران من سرائر لا يغيّر ظاهر الصورة؛ فقد بدا أن الرئيس التسعيني تخلى عن حنكته في الابتعاد عن دول الثورات المضادة التي نجحت في تدمير محاولات التحول الديمقراطي في جواره الليبي، وفي مصر واليمن.
لو أن الأمر اقتصر على استقبال بن سلمان، لأمكن تفهم الأمر باعتباره استجابة لضرورات الدولة التي بأمس الحاجة إلى المساعدات المالية السعودية، وهذه أنسب فترة لجلب الحد الأقصى منها في ظل حاجة ولي العهد، المتهم بالوقوف وراء قتل صحافي بوحشية، لتحسين صورته، وتقديم نفسه زعيما عربيا يحظى بترحيبٍ في بلد الربيع العربي.
بالتزامن مع الزيارة، بدأ يصدر عن الرئاسة كلام غير مسبوق بحق حليفها حركة النهضة، ما أوحى بنذر مواجهةٍ نجح “الشيخان”، السبسي وزعيم الحركة، راشد الغنوشي، في نزع فتيلها. والكلام بحق “النهضة” لا يشتريه أحد، لا في تونس ولا في الغرب. ولولا أنه صادر عن قصر قرطاج، لحسبه القارئ تخرّصات حسابٍ وهميٍّ ممولٍ من الإمارات. فجأة تنبش ملفات الاغتيال وتربط بجهاز سري للنهضة! أي عاقلٍ، وليس بالضرورة بحكمة شيخ تسعيني كان مدير مخابرات قبل نصف قرن، يدرك أن الرصاصات التي قتلت شكري بلعيد وغيره تستهدف الربيع العربي والتحول الديمقراطي أولا، وحركة النهضة ثانيا.
من الخطأ الدخول في مناقشة اتهاماتٍ سخيفةٍ كهذه، ولا يحق لـ”النهضة” ولا الرئاسة التدخل في مسار القضاء. النقاش هو هل يتخلى السبسي عن إرثه رجل دولة ووفاق؟ لا تحتاج حركة النهضة إلى شهادة حسن سلوك لموقفها من الإرهاب. فخلال وجود الحركة أكثر من عقدين في الغرب لم يسجّل عليها سلوك إرهابي. واندمج أعضاؤها في المجتمعات الغربية، وكان يؤخذ عليها المبالغة في السلمية مع نظام بن علي الذي مارس بحقها أسوأ أشكال القمع والإرهاب. ولم تلجأ الحركة إلى الاحتجاجات العنيفة ضد سفارات النظام في الغرب، بل لجأت إلى الاعتصامات الهادئة والإضراب عن الطعام.
يعبّر هذا النفس المسالم عن الشيخ راشد الغنوشي أكثر من جمهور “النهضة” عموما، فليس سرا أن الشيخ تحدّى جمهور الحركة ومؤسساتها بتواطئه مع السبسي. وكان بإمكان الحركة أن تحسم موقفها، وتقف مع الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، ويفوز برئاسة تونس. نجح الشيخ في انتزاع قرار تعويم التصويت، وهو ما كان تصويتا لصالح السبسي.
يوم ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية في تونس، في ديسمبر/ كانون الأول 2014، اتصل بي الشيخ راشد الغنوشي بعد بث “الجزيرة” احتجاجات في القصرين، وقال إن تلك الاحتجاجات لا تعبر عن الصورة الحقيقية، وهي أن السبسي فاز بانتخابات نزيهة، وجرى انتقال سلمي للسلطة. .. قلت للشيخ: مع ذلك، تحتج الناس على وصول شخصية بعمر السبسي، وموقفه بعد ثورة شبابية؟ كان جواب الشيخ أشبه بدلو ماء بارد عندما قال لي إنه انتخب السبسي!
تذكّرت، في المقابل، حديثه لي على الكاميرا عندما وصف الباجي قايد السبسي، عند تعيينه رئيسا للوزراء، بأنه “قادم من أرشيف البايات (حكام تونس في العهد العثماني)”. ومع ذلك، اختار الوصول إلى وفاقٍ معه في انتخابات الرئاسة. اعتبرها خصوم الغنوشي انتهازيةً، وانقلابا على الثورة، واعتبرها أنصاره ذكاءً نزع فتيل الثورة المضادة في تونس.
من الواضح أن استراتيجية الغنوشي تقوم على “الاستسلام حتى النصر”، كسجين يتلقى الضربات إلى أن يتعب الجلاد. غير الواضح هو استراتيجية السبسي، هل يريد إدخال تونس في نفق الثورة المضادة؟ أم هو يمارس ضغوطه على حركة النهضة للقبول بتوريث ابنه؟ أم هي قرصة أذن عابرة؟ المأمول أن يستمر الشيخان في وفاقهما الهشّ، فهو أهون الشرين على تونس. وليس من مصلحةٍ في عودة السبسي إلى شبابه مديرا للأمن الوطني (العام 1963)، يقمع المعارضة اليوسفية، ومن مصلحته أن تكون آخر صفحة في أرشيفه رئيسا حكم تونس بالتوافق، وجنّبها شرور الثورة المضادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *