مقالات

الممدانية غزوة نيويورك

‏لازلت أذكر الليلة التي وصلت فيها مدينة نيويورك ليلا لمعت من شباك الطائرة، جزيرة من نور ، تذكرت مقولة رمزي يوسف لضابط السي اي ايه لذي قال له عندما رأى هذا المشهد، انظر لا يزال منتصبا ! برج مركز التجارة العالمية الذي فشل في تدميره عام 1993 فرد عليه ” ما كان كذلك لو كنت أملك مالا اكثر ورجالا اكثر”
وعندما زرت نيويورك بعدها بعشرة سنوات كانت طموحات رمزي يوسف قد تحققت ، مع الأسف، على يد ابن أخته خالد الشيخ في ما عرف بغزوة نيويورك !
ردد أيمن الظواهرى في خطاب تبني الغزوة السؤال الأميركي ” لماذا يكرهوننا ؟”
بعد أكثر من عقدين من التفجيرات ينتخب الأميركيون بشكل غير مسبوق زهران ممداني عمدة لبلديتهم، وهي أغنى بلدية في العالم ، تضم اكبر جالية يهودية خارج دولة الاحتلال .
بعيدا عن التفاصيل والأرقام غير المسبوقة من 1969 نسأل لماذا يحبوننا ؟ وكيف غزا مهاجر حفيد مهاجرين قلوب مدينة المهاجرين ؟
حتى اليهود أعطوه بحسب استطلاع CNN للناخبين اليهود في سباق رئاسة بلدية نيويورك، حصل كومو 63% و مأمدني 33% اي ثلث اليهود صوتوا معه !
الناخبين الذين حسموا الانتخابات الرئيسية يوم الثلاثاء كانوا أكثر اهتمامًا بالاقتصاد والوظائف وتكاليف المعيشة. هذا وفقًا لاستطلاع رأي الناخبين لوكالة أسوشيتد برس، وهو استطلاع موسع شمل أكثر من 17 ألف ناخب في نيوجيرسي وفيرجينيا وكاليفورنيا ومدينة نيويورك،
وهي ، ولو سلّمت قيادها لاشتراكي ، عاصمة الرأسمالية في العالم إذ وصل الناتج المحلي الإجمالي للمدينة لعام 2024 نحو US$ 2.297 تريليون!
‏على أهمية العوامل التي أدت إلى فوزه وهي بالدرجة الأولى اقتصادية، باختصار انتصار المستأجر على المالك في نيويورك . إلا أن العامل السياسي ظل حاسما ، وقناة اليمين الصهيوني فوكس ، إعادت بعد فوزه نشر تصريحاته التي يهدد فيها باعتقال نتنياهو ومحاكمته في حال وصل إلى نيويورك وقبل فوزه، نشرت نيويورك تايمز تقريرا عن علاقته بالسياسي البريطاني العريق في معاد اته للصهيونية جيرمي كوربن ، وبقدر ما يفرحنا هذا فإنه بدأ يستخدم لمحاربته وشيطنته.
أهله هاجروا من الهند إلى إفريقيا قبله ، والده مثقف معروف بمواقفه المعادية للاستعمار ، الأمريكيون انتخبوا مسلما ولا ينكر إسلامه
في خطاب النصر قال “أنا مسلم. أنااشتراكي ديمقراطي. والأكثر إدانة من كل ذلك، أنني أرفض الاعتذار عن أي من هذا. “
وأضاف ،”بعد الآن مدينة يمكنك فيها المتاجرة بكراهية الإسلام والفوز فيالانتخابات. سيتم تعريف هذا العصر الجديد بالكفاءة والرحمة اللتين وُضعتافي تعارض مع بعضهما البعض لفترة طويلة جداً.”
لقد نجح الفتى في غزو القلوب، والانتماء لمدينة المهاجرين ، لا تدميرها .
اعتبر محللون فوز ممداني هدية قبل انتخابات التجديد النصفي العام المقبل، حيث من المرجح أن يتم تصوير عمدة المدينة الاشتراكي على أنه صورة كاريكاتورية لليسار التقدمي المتطرف من أجل تخويف الناخبين المعتدلين والمترددين وإبعادهم عن الديمقراطيين.
خلال الحملة الانتخابية، اتهمه كوومو و سليوا بإذكاء نيران معاداة السامية.
وتعرض الاشتراكي لانتقادات شديدة لرفضه إدانة عبارة “عولمة الانتفاضة” ،
واعترف ممداني بحق إسرائيل في الوجود، ولكن ليس دولة يهودية، وكان قد تعهد في وقت سابق باعتقال بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، إذا وطأت قدماه نيويورك.
وقّع أكثر من 1100 حاخام في جميع أنحاء البلاد على رسالة تتهم السيد ممداني بتفاقم “العداء تجاه اليهودية واليهود”.
في هذه الأثناء، وصفته إليز ستيفانيك ، ممثلة الحزب الجمهوري في نيويورك، بأنه “مرشح جهادي “!
في الواقع فإن ممداني، جهادي بالمعنى الإيجابي، مناضل سليل مناضلين، نتاج ثقافة شديدة التنوع والتعقيد، والده مثقف يساري معاد للاستعمار وفي اهداء كتابه”لا مستوطن ولا مواطن
صنع أقليات دائمة وتفكيكها”، كأنه الأب يرسم عام 2020 مشهد فوز ابنه :
“إلى زهران
لقد علمتنا كيف تشتبك بالعالم في أوقات عصيبة
لعلك تلهم الكثير وتنير المسير
إنه مثل درب في الأرض – لا يوجد بالبداية، ولكنه يصبح موجوداً
عندما يسلك الكثير من الناس الطريق نفسه
لو هسون، ” الوطن “
فبحسب لو هسون، نيويورك لم تكن موجودة، المهاجرون الذين طرقوا دربها صنعوا طريقا، ومنهم زهران، ووالده. في الكتاب الذي ترجمه الباحث عبيدة عامر غضبان، ونشرته الشبكة العربية. ينطلق فرضيةٍ جوهرية مفادها أنّ «الاستعمار» و«القومية» ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل «ولدا معًا» في سياق الحداثة السياسية. من ثمّ، يرى أن الدولة القومية والجماعات التي تُعرّف على أنها «أقلّية» أو «اليوم الآخر» ما هي إلا نتاجان متلازمان: الدولة تسعى لتوحيد الداخل تحت هوية كبرى، ما يثير نشوء «أقليات دائمة»
في صورة المناضل ، بعد الفوز كتب أحمد الأخرس، وهو أميركي عربي مسلم عن ممداني “
“لم يساوم.
لم يُلطّف خطابه.
لم يغيّر لغته تبعاً للجمهور.
لم يتراجع عن موقفه الواضح والحازم ضد الحرب الإبادية المستمرة على غزة، رغم المناخ السياسي الذي كان أي مستشار “جاد” فيه سيعتبر هذا الموقف انتحاراً سياسياً.
وهذا فعلاً ما اعتقدته معظم القوى النافذة في البيئة السياسية الأميركية.
اصطفّ التيار الديمقراطي المؤسسي ضده، وكذلك الآلات الجمهورية.”
موضحا “نادرٌ أن نرى في التاريخ السياسي الأميركي الحديث لحظة توافقت فيها كل أطياف القوة — اليسار واليمين والمركز والشركات والإعلام التقليدي — على هدف واحد: منع زهران ممداني.”
‏لم تنتصر الممدانية على الترمبية فقط ، انتصرت على اللوبي الصهيوني بكل امتداد اته الاقتصادية الثقافية والسياسية والإعلامية، لقد بلغ الأمر في صحيفة واشنطن بوست ان تكتتب افتتاحية في قبل الانتخابات بأيام قليلة، تدعو سكان نيويورك إلى “التصويت للفاسد: فهذا مهم”.
اعتقدوا أن إحياء المنطق الأخلاقي وراء شعار انتخابات لويزيانا القديمة “صوّت للمجرم” سيحوّل كومو إلى “شر لا بد منه”. في صحيفة شعارها ” الديموقراطية لا تعيش في الظلام “
لقد انتصرت الممدانية ، على ثقافة الكراهية بما فيها الكراهية “الإسلامية” ، علينا أن نعترف أن ثقافة الكراهية ليست فقط من الآخر ، فالذين نفذوا تفجيرات نيويورك سواء عام 93 أو عام 2001 كانوا مشبعين بثقافة الكراهية . وهي ليست موروثة جينيا، بقدر ما هي مكتسبة بفعل عوامل سياسية ، وثقافية .. إن كراهية أميركا تعود إلى عامل سياسي أساسي وهو دعمها للعدوان الإسرائيلي، وهي مسألة قابلة للتغيير وبشكل متبادل. كما حصل أمس . وهو ما يدفعنا إلى أن نسأل السؤال الكبير لماذا يحبوننا ؟
أبراج نيويورك يعمرها مهاجرون ويسكنها ويملكها مهاجرون ، المطلوب إشاعة ثقافة التعمير لا التدمير، والمواطنة لا الأقلياتية، والجدارة والتميّز لا التمييز، والتنوّع لا التنافر هذا ما أشاعته انتخابات نيويورك

هل تريد التعليق؟