وجّهت الهوية البصرية السورية الجديدة رسائل مهمة تستحق الاحتفاء، فسوريا الجديدة لكل أبنائها تصل ما انقطع معهم ومع تاريخها المديد ، بقدر ما تقطع مع التاريخ البغيض في حقبة الإجرام. ولعل أجمل ما أضاء سماء دمشق ليلة الاحتفال بالهوية البصرية للدولة صورة حمزة الخطيب، الذي يجسد جيله الموءود مستقبل سوريا .سوريا هي ما تمنّى وأحب الطفل حمزة الخطيب في زنزانته الموحشة . وهي ما رفضه المحقق القاتل الذي قتل حمزة بشكل بشع ، لكنه أحيا وعوده وأحلامه .
يقول الغربيون الذين اخترعوا فكرة البراند والهوية البصرية “A brand is what you want to be known for.”“البراند هو ما تريد أن تكون معروفًا به.” سوريا التي حلم بها حمزة الخطيب وملايين الثائرين و الشهداء والمغيّبين والمعذبين والمهجّرين.
من الرسائل الخفية التي لم تعلن كان اتجاه نظر العقاب، باتجاه الغرب أي الجولان وفلسطين ، سوريا الجنوبية على عكس العقاب في عهد حافظ الأسد الذي كان يتجه إلى الشرق .
موضوع الجولان جوهري في الهوية السورية، وليس افتعالا، والصراع العربي الإسرائيلي حقيقة وليس شعارا اخترعه حافظ الأسد و القوميون أو الإسلاميون . المفارقة إن الرئيس السوري أحمد الشرع هو نازح جولاني ، بيت جده محتل إلى اليوم ، وبالمناسبة قائد الطليعة المقاتلة للإخوان عدنان عقلة كان نازحا أيضا. والقضية ليست مناكفة بين الإسلاميين والقوميين والوطنيين ، هي قضية وطنية سورية وفوقها عربية وإسلامية ، والجولان جزء من محافظة القنيطرة ، يعني من ريش العقاب ال 14 مثلها مثل حلب والرقة .. وعدم القدرة اليوم على فتح جبهة لاستعادتها لا يعني التسليم لمحتلها و التطبيع مع معه.
منذ انتصار الثورة السورية في 8 ديسمبر انشغل الإعلام الغربية بكنس اليهود واليهود السوريين ، طبعا وكأنه لا يوجد مشروع صهيوني اقتلع أهل فلسطين وأحلّ مكانهم يهودا من سوريا وكندا وروسيا.. المسألة وكأنها هجرة سكانية طبيعية لقبيلة تبحث عن الكلأ والماء لإبلها .
ما حصل مع يهود سوريا يجسد أقبح ما في الحركة الصهيونية أولئك اليهود الذين عاشوا قرونا مع في ظل حضارة واحدة أعيد إنتاجهم بشكل يتناسب مع رؤية هيرتزل .
ليس آخر احتفالية للإعلام الغربي ما نشر في الواشنطن بوست، في وقت الاحتفال بالهوية البصرية الجديدة ، والمقال جزء من الرؤية الصهيونية التي تنكر حقائق الواقع والتاريخ لصالح الأيديولوجيا. تقول الصحيفة،” عندما فرّ يهود إسبانيا من محاكم التفتيش، احتضنتهم سوريا، وتحوّلت حلب إلى مركز ديني وثقافي يهودي. في ذروته، بلغ عدد اليهود في سوريا 30 ألفًا، واستقبلت البلاد يهودًا من إيطاليا وإسبانيا، فأنشأوا مدارس ومستشفيات وبيوت أيتام، واحتضنت حلب أحد أقدم نسخ التوراة: “مخطوطة حلب”.
موضوع اليهود السوريين تحول إلى أداة قذرة للترويج للتطبيع . و للأسف الدول العربية تاريخيا تعاملت مع هذا الملف بشكل غبي، ومتطرف ،بين من يخلط بين اليهودية والصهونية، ويخدم الأخيرة بتبني موقف عنصري من اليهود، وبين من يتبنى الصهيونية باعتبار اليهودي كائن متفوق يرتكب جريمة احتلال بلد ويحتفط بمواطنته في بلده الأصلي، ويكون اليهود العرب جسرا للتطبيع . في القرن الماضي و لا سيما في الدول العربية التي كانت تمر بفترة مراهقة قومية. تعاملت مع اليهود في البلدان العربية والإسلامية بشكل يخدم المشروع الصهيوني بحسن نية. مع أن اليهود كانوا جزء أصيلا من المجتمعات العربية. في العراق ومصر كانوا جزءا أساسيا من بناء الحزب الشيوعي العراقي والمصري، وموقفهم كان معاديا للصهيونية . في العراق لا يزال العراقيون إلى اليوم يفخرون بأول وزير مالية في الدولة العراقية الحديثة حسقيل الذي كان مثالا في الانضباط والدقة وصار مثلا دارجا “حزقلها “كناية عن التشدد المالي .
في فترة المراهقه القومية هاجم الجمهور العراقي الغاضب على المجازر الصهيونية أحياء اليهود ونهبها ، ولم يكن يدري أنهم بذلك ينفذون أجندة الحركة الصهيونية التي قامت بتفجيرات في القاهرة وغيرها لإيصال رسالة لليهود أنهم غير غير آمنين في بلدانهم وأن أمانهم في الوطن القومي الموعود.
من المهم وسوريا تحتفل ببناء الدولة الحديثة القائمة على المواطنة، أن يعاد الاعتبار لليهود السوريين باعتبارهم أبناء حضارة واحدة بقدر ما هو مطلوب القطيعة التامة مع المشروع الصهيوني الذي اغتصب سوريا الجنوبية في منتصف القرن الماضي واحتل الجولان بعدها بعقدين.
مع تشكل الدولة السورية الحديثة، وعقب دخول قوات فيصل إلى دمشق كان واضحا أن الهوية العربية المشرقية الشامية هي نقيض المشروع الصهيوني العملي ، ففي رسالة فيصل – كانون الثاني/يناير 1919:
“جميع المواطنين في أراضي الدولة العربية — من مسلمين ومسيحيين ويهود — سيتمتعون بحقوق متساوية، ولن يُفرَّق بينهم في الحقوق السياسية والمدنية.“
كما جاء في اتفاقية فيصل-وايزمان (التي وُقعت في 3 يناير 1919)، والتي تضمّنت بندًا ينص على أن:
“ستتخذ الدولة العربية جميع الإجراءات لحماية الحقوق الدينية والحقوق المدنية لجميع السكان بغض النظر عن الدين أو العرق.“
وبعدها هزيمة الدولة الفيصلية في معركة ميسلون وتشكل الدولة السورية الحديثة شارك اليهود في البرلمان السوري وكان جزءا من الحركة السياسية والاقتصادية .
عروبة سورية هي القاسم الجامع المانع لبناء الدولة الوطنية. فالعروبة في سوريا سبقت دخول الاسلام، ومسيحيوها ليسوا أبناء القنصليات، هم أصل العروبة، ولخص المفكر والقائد السوري المسيحي فارس الخوري ذلك بقوله ” أنا مسلم ثقافة مسيحي ديانة” ومؤسس البعث ميشال عفلق محاضرته ” ذكري الرسول العربي ” “إذا كان كل مسيحي عربي لا يشعر عندما يسمع باسم محمد أنه أمام أعظم رجل عرفته الإنسانية، وأمام رسالة هي خلاصة الرسالات كلها، وإذا لم يُضف هذا الشعورَ إلى شعوره بالمسيح، فليس بمسيحي ولا بعربي.”
العروبة الجامعة لا تستثني الكردي، فالكردي هو ابن هذه الثقافة أيضا، ومؤسس مجمع اللغة العربية هو محمد كرب علي. العروبة تستثني الصهيوني لا اليهودي.
بدلًا من ردّ الجميل، ساهمت الحركة الصهيونية في اقتطاع جنوب سوريا (فلسطين)، وتشريد شعبها، ثم احتلال الجولان. واليوم، يعود بعض اليهود السوريين لترميم معابدهم القديمة في دمشق. هذه العودة الرمزية، كما عودة اليهود العراقيين والمغاربة واليمنيين إلى أوطانهم، ليست فقط استعادة للذاكرة، بل تُمثّل نقيضًا جوهريًا للمشروع الصهيوني الذي قام على فكرة اقتلاع اليهود من محيطهم العربي.
اللافت أن مشروع “عودة اليهود العرب إلى بلدانهم الأصلية” كان يُطرحه أبو مازن مبكرًا داخل أروقة فتح، باعتباره مفتاحًا لانهيار إسرائيل من الداخل، عبر نزع الطابع الصهيوني عن يهوديتها. وهي فكرة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها ظلت وهما يبدده الواقع .
والواقع هو ما ورد في الصحيفة الأميركية
“قليل من المهاجرين اليهود السوريين يخططون للعودة بشكل دائم، لكن مثل حمرا، يخطط البعض للزيارة.
قال: “كنت أحلم بهذا اليوم. كان حلمي أن أرى بيتي مرة أخرى، أن أرى مدرستي وكنيستي. لقد تحقق الحلم.” وفرق بين تبني خطاب رافض للصهيونية، وبين البناء على وهم نسف المشروع الصهيوني من خلال إغراء أحفاد اليهود العرب بالعودة إلى أرض أجدادهم .
اليوم، لا بد من إعادة التأكيد على السردية العربية الإسلامية: اليهود ظلّوا جزءًا من نسيج هذه المنطقة، تاريخًا وثقافةً وحضارةً. كانوا شركاء في “صحيفة المدينة” في عهد الرسول ﷺ، وازدهروا في ظل الحضارة الإسلامية، خاصة في الأندلس حيث أُحييت اللغة العبرية وبرز مفكرون كبار كابن ميمون. بل إن صلاح الدين نفسه هو من سمح لليهود بدخول القدس بعد تحريرها، بعد أن منعتهم العهدة العمرية.
لم يعرف العرب في تاريخهم عنصرية دينية أو عرقية. لم يُباد اليهود في بلاد المسلمين كما حدث في الغرب. الحضارة العربية الإسلامية حضارة شاملة، لا مركزية، توزعت بين دمشق، والأندلس، وآسيا الوسطى، وتمبكتو.. لم تكن حضارة “صفاء عرقي” بل حضارة تفاعل، بخلاف المشروع الصهيوني الذي تأسس على الإقصاء و”الاستعلاء الإلهي” لفئة تدّعي أنها “شعب الله المختار”.
لذلك، موضوع اليهود السوريين ليس مدخلا للتطبيع، بقدر ما هو دليل على السردية الصحيحة: اليهود جزء من نسيج بلاد الشام، وفلسطين هي سوريا الجنوبية، والعدالة لا تكون بالتطبيع مع الاحتلال، بل بإعادة الحقيقة الطبيعية
في التاريخ والجغرافياوالواقع. غير الطبيعي هو المشروع الصهيوني الذي يحتاج تطبيعا، وتطبيعا مع فكرة التطبيع.
في ظل الوعي بالمشروع الصهيوني يمكن الاستفادة من اليهود السوريين ل”الضغط على وزارة الخارجية الأمريكية للحصول على إعفاء من العقوبات لإعادة بناء الكنيس. قانون قيصر، الذي أقرّه الكونغرس عام 2019، يمنع التمويل الخارجي لإعادة الإعمار في سوريا. وبدا في البداية أن الإعفاء لن يُمنح، لكن هذا تغيّر في مايو حين منح الرئيس دونالد ترامب إعفاءً لمدة 180 يومًا، مما مهد الطريق أمام المجتمع اليهودي للمباشرة بإعادة البناء. ومن المتوقع أن ينظر الكونغرس في إلغاء القانون كليًا.”على قول الواشنطن بوست.


هل تريد التعليق؟