مقالات

الجيش السوري أداة توحيد لا مظهر انقسام

تُظهر نتائج استطلاع “المؤشّر العربي 2025 (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، وهوالاستطلاع الأوسع والأوثق عربياً، ارتفاعاً لافتاً في مستوى الثقة في المؤسّستَين الأمنيتَين مقارنةبغيرهما من مؤسّسات الدولة في سورية. وهي نسبة مرتفعة على مستوى عالمي، وأعلى مندول مشابهة عانت من احتراب طائفي مثل العراق ولبنان. إذ يحظى الجيش بأعلى نسبة ثقةبين المواطنين، تقارب 82% (ثقة كبيرة + ثقة إلى حدّ ما)، بينما يحظى الأمن العام بنحو 77%. فقد أفاد 60% من المستجيبين بأن لديهم ثقة كبيرة بالجيش، و22% بثقة إلى حدّ ما، مقابل9% عبّروا عن عدم ثقة جزئية و6% عن عدم ثقة مطلقة، فيما قال 3% إنهم لم يحدّدواموقفهم. كذلك سجّل الأمن العام (الشرطة) مستويات ثقة مرتفعة نسبياً؛ إذ عبّر 43% عن ثقةكبيرة، و34% عن ثقة إلى حدّ ما، فيما قال 13% إن ثقتهم ضعيفة، و8% قالوا إنهم لا يثقون بهإطلاقاً. وهو ما يمنح الدولة السورية الجديدة فرصة لبناء دولة وطنية، إذ لا توجد مؤسّسة غيرالجيش قادرةٌ على بناء دولة من ركام عقود من الاحتراب والانقسام الطائفي.

وقد ظلّ الجيش أداةً أساسيةً في بناء الدول وتأسيسها وصناعة هُويّة وطنية جامعة. في دولةالعدو الصهيوني، التي بُنيت حقيقة من شذّاذ الآفاق، ثار جدل بعد قدوم المهاجرين اليهود منالاتحاد السوفييتي حول يهودية من وُلدوا لأمهات غير يهوديات، فردّ السياسي يوسي بيلين(بالعبرية ما تُرجم إلى العربية): “إم–16 لا أمّ يهودية”؛ فمن يحمل بندقية إم–16 ويقاتل دفاعاًعن الدولة هو اليهودي، لا الذي وُلد من أمٍّ يهودية. وفي غزّة شهدنا عرباً يقاتلون أولاد عمومتهمتحت راية الجيش الإسرائيلي.

يشكّل انضمام قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى الجيش العربي السوري فرصةً لبناء الهُويّةالوطنية بعيداً من الانقسامات الطائفية والأقوامية وعقلية الأقلّيات والفصائل. وهذه مهمّةصعبة في ظلّ الإرث الثقيل؛ وبعيداً من تجميل الواقع والتاريخ، فإن انتصار الثورة السوريةاعتبره كثيرون من السوريين انتصار طائفة على أخرى. صحيح أن النظام الساقط لم يبكِ عليه أحد، إلا أن العلويين في الساحل لم يظهر منهم من يعتبر نفسه منتصراً؛ حتى الناشط السوري بشّار برهوم، الذي خرج من زنزانة الإعدام على يد مقاتلي هيئة تحرير الشام، عدّ نفسه لاحقاً في الطرف المهزوم الذي كان سيُعدمه.
الجيش الوطني جامعٌ؛ يجمع المواطنين كلّهم، لا مانع لأحدٍ منهم. وهذا ما يبني الدولة، ولاينتقص من جهد من صنعوا الانتصار. انتصار “ردع العدوان” كان بفضل مقاتلين عقائديينأرخصوا لله نفوسهم، وتمكّنوا خلال أسبوعَين من تحقيق إنجاز عسكري أسقط النظام بشكلفاجأ العدو والصديق، ولا تُنكَر تضحياتهم وصبرهم خلال عقدٍ ونصف عقد من الثورة اليتيمة،وهؤلاء هم نواة الجيش الوطني اليوم.
فرصةً لبناء الهُويّة الوطنية بعيداً من الانقسامات الطائفية والأقوامية وعقلية الأقلّيات والفصائل
وبعيداً من اللغة التجميلية، يوجد انقسامٌ طائفيٌّ حادّ في المجتمع السوري. وليس المهم منالمتهم بهذا الانقسام؛ هل هو نظام حافظ الأسد الذي “علون” الجيش والأمن، أم الفصائلالإسلامية؟ المؤكّد أن الطائفية (باعتبارها ممارسةً عمليةً) تورّط فيها الجميع، وتبادل الاتهاماتلا يفيد في هذه المرحلة. لكن في المقابل، ظلّ الجيش العربي السوري جيشاً مفتوحاً يعتمدعلى التجنيد العام، وإن كان العلويون يتحكّمون بمفاصله.
ترسم “نيويورك تايمز” صورةً للجيش الجديد من خلال قصص المجنَّدين. يروي مجنَّد (30 عاماً) تجربته عند التحاقه بدورة تدريبية في شمال محافظة حلب ضمن نحو 1400 متطوّع. أُبلغ المجنَّدون منذ اليوم الأول بأن التدخين ممنوع منعاً باتّاً، وصودرت علب السجائر منبعضهم، ما دفع عشرات المتطوّعين إلى الانسحاب الفوري، بينما طُرد آخرون لتجاهلهمالتعليمات. وبعد ثلاثة أسابيع، لم يتخرّج من الدورة سوى نحو 600 متطوّع، وهو عددٌ أثاردهشة الرجل نفسه. لم يقتصر الاستغراب على الانضباط الصارم، بل شمل طبيعة التدريب، إذخُصص الأسبوع الأول للتعليم الديني، وتضمّن محاضرات مطوّلة، منها محاضرة عن المولدالنبوي استمرّت ساعتَين ونصف ساعة. قد لا تكون رواية الصحيفة الأميركية دقيقة، لكنّها تشيبصعوبة الانتقال من الفصيل العقائدي إلى الجيش الوطني. وفي إدلب، تكرّست تجربة الجيشالعقائدي، وصار التقدّم في الجيش والأمن العام مرهوناً (إضافة إلى التدريب العسكري) بحفظأجزاء من القرآن والتبحّر في العلوم الشرعية. كان ذلك ضرورياً، ليس فقط في مواجهة نظامٍاستخدم ورقة الطائفية هو وإيران، بل كان ضرورياً أيضاً في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية(داعش)، فمن يقاتلها أكثر تديّناً وفهماً للدين منها.
انتصرت الثورة، وتقدّم في الرتب العسكرية حفظةُ القرآن والمتديّنون؛ فهل يعني هذا أن يقتصرالجيش عليهم؟هذا يعمّق الشرخ حتى بين السوريين السنّة؛ بمعنى أن المدخّن وغيرالمتديّن عموماً لا مكان له في الجيش، وباقي الطوائف تتحوّل إلى مليشيات مناوئة للدولةالسنّية (!). يشكّل الاتفاق مع (قسد) فرصةً مفصليةً لإعادة بناء جيش وطني جامع. فالخيارالحاسم هنا دمج هذه القوات ضمن وحدات الجيش المختلفة، لا الإبقاء عليها جسماً مستقلاً،لأن ذلك يعيد إنتاج منطق الفصائل ويحول دون قيام جيش وطني حقيقي. والدمج بابٌ لتوسيعالجيش والأمن العام ليشملا السوريين جميعاً، بمعزل عن انتماءاتهم السياسية أو الطائفية،كفيل بتعزيز الثقة القائمة أصلاً وتحويلها إلى شرعية مستدامة. بديل الجيش الوطني إعادةإنتاج نموذج طائفي شبيه بما جرى في العراق بعد 2003، إذ أصبحت القوات المسلّحة انعكاساًلانقسامات المجتمع. وقد أثبتت القوات المسلّحة والأمن العام خلال العام الماضي (2025)قدرةً واضحةً على الإقدام والتضحية، وهو ما عزّز مكانتهما في الوعي العام. وكانت إحدىالقصص الرمزية البارزة استشهاد عنصر من الأمن العام في حلب بعد أن فدى المدنيين بنفسهخلال إحباط هجوم إرهابي ضدّ إخوانه المسيحيين في احتفالات رأس السنة الميلادية. وهيحادثة تركت أثراً عميقاً في الرأي العام، ورسّخت صورة الأمن بوصفه حامياً للمجتمع لا أداةقمع.
الدمج بابٌ لتوسيع الجيش والأمن العام ليشملا السوريين جميعاً، بمعزل عن انتماءاتهم السياسية أو الطائفية
ولطمأنة النواة الصلبة من العقائديين، لا يعني الجيش الوطني معاداة الدين؛ على العكس،فالتجارب المقارنة تقدّم دروساً واضحة. فالجيش الأميركي، على سبيل المثال، يضمّ أكثر منثلاثة آلاف كاهن مسيحي يقدّمون الخدمات الدينية، إضافة إلى أكثر من عشرين مفتياً للجنودالمسلمين في الجيش الأميركي، من دون أن يتحوّل الدين إلى أداة إقصاء. وفي التجربة الأردنية،حيث بنى الجيش البلاد، كان الشيخ عبد الله العزب مفتياً عاماً للجيش العربي وقائد الجيشالبريطاني غلوب باشا. وحرص الملك عبد الله (المؤسّس) على وجود مسجد داخل كل كتيبةومفتٍ لها يحمّس الجنود ويحثّهم على الشهادة. وتطوّر جهاز الإفتاء في القوات المسلّحةالأردنية ليصبح مؤسّسةً يقودها ضبّاط برتب رفيعة تؤدّي دوراً دينياً وتربوياً وأخلاقياً من دونإكراه أو تمييز. وكان الدكتور نوح سلمان لواءً مديراً للإفتاء، تماماً كما كان المسيحي المقدسيداود حنانيا فريقاً، أسّس الخدمات الطبية الملكية.
في الحالة السورية، لا يمكن تجاهل دور الدين في مجتمع أنهكته الحرب والانهيار الاقتصاديوالتعليمي. فالدين، في هذه المرحلة، يؤدّي دوراً تعليمياً وأخلاقياً واجتماعياً، لكنّه يجب أنيكون جامعاً لا مانعاً لأحد منهم، وعنصرَ توحيد لا أداةَ فرز. المطلوب جيش يعكس هُويّةالمجتمع من دون أن يُقصي أحداً، ويجعل الانتماء الوطني معيار الخدمة والتضحية.
إعادة بناء الجيش السوري ليست مسألةً تنظيميةً فحسب، بل هي مشروع وطني شامل: إمّا أنيؤسّس لدولة جامعة، وإمّا أن يعيد إنتاج الانقسام بأشكال جديدة.

هل تريد التعليق؟