مقالات

في ذكرى انتصار الثورة يكرهون إيران وإسرائيل

من المفارقات في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران تزامنها مع ذكرى انتصار ثورة العرب في ربيعهم: هروب زين العابدين بن علي من تونس في 14 يناير/ كانون الثاني، وهروب الشاه من طهران في 16 من الشهر نفسه قبل 30 عاماً. ويحق لنا اليوم أن نتساءل: هل كانت الثورة خياراً صحيحاً إذا ما قورنت الشعارات بالنتائج؟

في إيران، يجثم اليوم على صدور الناس شاهٌ معمّم بديلاً من الشاه المُتوَّج، وفي تونس يجثم على صدرها دكتاتور مهرّج بديلاً من دكتاتور جنرال. ومع ذلك، تبدو حال إيران اليوم أسوأ بكثير من حال تونس، مع ملاحظة الفوارق الهائلة في الثروات والجغرافيا وعدد السكّان. كانت إيران دولةً إقليميةً عظمى بكل المقاييس، وفي لحظةٍ ما بدا أنها تهيمن استراتيجياً على المنطقة، لكنّها اليوم مهدّدة بالانهيار والتفكّك، وهو ما دفع كثيرين من زعماء المنطقة إلى محاولة إنقاذها، لا حبّاً بالنظام، بل خشية من عواقب انهياره.

بعد أكثر من 40 عاماً على انتصار الثورة الإسلامية في إيران، تبدو الفجوة شاسعةً بين الشعارات والممارسات. وبحسب استطلاع “المؤشّر العربي 2025” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) تُعد إيران من أكثر الدول المكروهة في المنطقة، تقريباً كما يُنظر إلى إسرائيل، مع أن النظام الإيراني يرفع شعار “الموت لإسرائيل”، وهو في حالة حرب معها منذ انتصار الثورة. ويرى كثيرون من أبناء المنطقة أن سياساتها لا تقل عداءً لهم. صحيح أن شعبية إيران ارتفعت قليلاً بعد حرب غزّة، لكن كثيراً من أبناء المنطقة يعتبرونها مثل إسرائيل، عدوّاً.

لا عداء إسرائيل ولا عداء الولايات المتحدة يبني دولاً. صحيحٌ أن لدى الولايات المتحدة والغرب أطماعاً في المنطقة وفي إيران، لكن الثورة الإسلامية في إيران تواجه اليوم، وللمرّة الأولى في تاريخها، أزمةً وجوديةً، لا بسبب التهديدات الخارجية فقط، بل بفعل ثورة على الثورة نفسها. صحيحٌ أن الموساد ووكالة الاستخبارات الأميركية منغمسان في تأجيج الأوضاع ويعملان على إضعاف النظام وإسقاطه، لكن هذه الأهداف ما كانت لتتحقق لولا الحاضنة الشعبية للشيطانين الأكبر والأصغر، بسبب هذا الكمّ الهائل من السخط الداخلي.

يحصد نظام الجمهورية الإسلامية كراهيةً غير مسبوقة في الداخل والخارج: في الداخل بسبب الفساد، بأبشع صوره، والفشل الاقتصادي، وتقييد الحرّيات الخاصة والعامة. وخارجياً، تصرّفت إيران بعقلية دولة طائفية متغطرسة محتلّة في العراق وسورية ولبنان. في العراق، يحمّل عراقيون كثيرون إيران وزر النظام الطائفي الذي تشكّل بعد الاحتلال، ووزر الاحتلال نفسه؛ فنظام الجمهورية الإسلامية تعاون مع الأميركيين في احتلال العراق وأفغانستان، والنظام التابع لإيران في العراق مارس أبشع أشكال القتل والتهجير الطائفي والتمييز والفساد، بشكل بدّد ثروات العراق ودمّر مقدراته. كما جسّد حلفاء إيران الفساد والانحلال الأخلاقي ونهب المال العام والتمييز بين المواطنين، واستهداف الطوائف الأخرى من السنّة والأكراد والمسيحيين وغيرهم.

في لبنان، صحيحٌ أن إيران تُرى من زاوية معيّنة محورَ المقاومة والشريكَ في تحرير لبنان ورافعةً للطائفة الشيعية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكنّ مسيحيين وسنّة ودروزاً كثيرون يعتبرونها دولةً تدخّليةً مهيمنةً محتلة. وفي سورية، مارست إيران خلال أكثر من عشر سنوات أبشع صنوف القتل والتدمير والتهجير والتجويع بحق الشعب السوري، فأصبحت الدولة مكروهةً هناك. أما دول الخليج فجميعها تشعر بالخطر الإيراني، سواء من خلال محاولات تفكيك المجتمعات الخليجية، أو ضرب العلاقة بين السنّة والشيعة، أو التدخّل المباشر في شؤونها الداخلية.

وبحسب “المؤشّر العربي” (المرجع الأوثق والأوسع للرأي العام في المنطقة منذ عقد)، “ذكر 9% من مستجيبي منطقة الخليج العربي أن إسرائيل تمثّل التهديد الأكبر لبلدانهم، بينما قال 14% منهم إن إيران تمثّل التهديد الأكبر”. ويقرّ الرأي العام العربي أن هناك مفهوماً هو “الأمن العربي”، ويتوافق على أن إسرائيل والولايات المتحدة هما الدولتان الأكثر تهديداً لأمن الوطن العربي، وبنسب 44% و21% على التوالي، بينما جاءت في المرتبة الثالثة إيران بنسبة 6%. وبذلك يقرّ الرأي العام العربي بأنه يمكن الحديث عن أمن للوطن العربي وتحديد الدول الأكثر تهديداً لأمنه.

كانت إيران دولةً إقليميةً عظمى بكل المقاييس، وفي لحظةٍ ما بدا أنها تهيمن استراتيجياً على المنطقة، لكنّها اليوم مهدّدة بالانهيار والتفكّك

وبالنسبة إلى تقييم الرأي العام سياسات بعض القوى الدولية والإقليمية تجاه فلسطين، قيّمت الأغلبية مواقف جنوب أفريقيا وسياستها بالإيجابية، في مقابل عدم ثقتهم بسياسات الدول الأخرى؛ إذ إن أكثرية الرأي العام تنظر بسلبية إلى سياسات الولايات المتحدة وروسيا وإيران وفرنسا وبريطانيا وألمانيا تجاه فلسطين. وكان تقييم السياسة الإسبانية الأفضل بين البلدان الغربية والأوروبية، حيث عبّر 43% عن إيجابية سياستها، بينما أفاد 35% بأنها سلبية.

صحيح إن الإسلام هو الجسر الوحيد الذي يربط أبناء العالم العربي بإيران، لكنّها مارست الإسلام الطائفي السلطوي مع شعار الإسلام الثوري، وفوقه الإسلام الحضاري الذي تُعدّ فارس رافداً أساساً من روافده، وتمتلك إرثاً حضارياً وثقافياً عميقاً في الشعر والأدب والفلسفة. الإسلام جسرها إلى المنطقة، ولا خوف على الإسلام الذي تضرب جذوره في هذه الأرض منذ 14 قرناً، ولا يمكن اقتلاع المآذن ولا محو الأذان من هذه المنطقة، لكنّ هناك فرقاً بين الإسلام الحضاري الجامع لأبناء المنطقة والإسلام الطائفي المفكّك والمخرّب الذي مارسه نظام الجمهورية الإسلامية.

لقد مارس النظام عداءه للعروبة، وللمكوّن العربي في إيران، واستهدف العراق، وكرّس هُويّة شيعية سياسية من خلال دستور طائفي واضح. واليوم لا نجاة لإيران إلا بالمصالحة مع شعبها بكل مكوّناته (وجزء أساسي منهم العرب) وبالمصالحة مع أبناء المنطقة العربية. أما العداء لإسرائيل فهو شعار مكلف جدّاً لا يحقق أهدافه، وأنت في حالة عداء مع شعبك وشعوب المنطقة قبل أن تحارب إسرائيل. قبل أن ترفع راية المواجهة معها عليك أن تصالح شعبك، وأن تصالح العراقيين والسوريين واللبنانيين والخليجيين والباكستانيين والبلوش والأفغان. عندها فقط سيكونون عوناً لك، بل في مقدمة من يواجه إسرائيل.

 لقد كانت هزيمة إيران الحقيقية يوم ضُرب المفاعل النووي العراقي (1981)، فبدلاً من أن توقف حربها العبثية مع العراق وتتحالف معه لمواجهة إسرائيل، واصلت حرباً مدمّرة، وقرّرت أن تحارب وحدها. لم يعد اليوم ثمة وقت للمناورة. إيران تواجه خطر الانهيار والتفكّك في كل لحظة، ومع ذلك لا يزال لدى النظام متّسع من الوقت لخطوة أولى: ليست المفاوضات النووية ولا الصاروخية، بل الحوار مع شعبه ولمّ شتاته، والحوار الصريح مع أبناء المنطقة والمصالحة معهم.

في ظلّ ما تتعرّض له إيران اليوم لا تجد من يتعاطف معها، بل يشمت بها كثيرون ويتذكّرون جرائمها في المنطقة. في البرد والرياح، هناك أطفال عراقيون مشرّدون في الخيام بفعل مليشيات موالية لإيران، تماماً كما هو حال أهل غزّة. فهل يُتوقّع من هؤلاء أن يتعاطفوا مع من شرّدهم وأذلّهم؟ هناك عشرات الآلاف من خيرة شباب العراق يذوقون سوء العذاب في السجون التي تسيطر عليها أجهزة ومليشيات تابعة لإيران، وقبلهم وبعدهم آلاف الإيرانيين أنفسهم الذين يذوقون العذاب وتُلقى جثثهم في الشوارع، تمامًا كما فعل “السافاك” وشاه إيران.

في الوقت الضائع، يمكن أن تسجّل الجمهورية الإسلامية هدف الفوز: بالحوار والمصالحة مع شعبها، ومع شعوب المنطقة التي تكتوي بنار إسرائيل وإيران معاً.

هل تريد التعليق؟