الشهيد المسيحي ” محمد القسوس “
“أهل حمود يصلُّون على النبي”
الشهيد الثامن في كنيسة حمود كان الدكتور محمد القسوس، نعم، مسيحي واسمه محمد. هكذا مسيحيو الأردن، لا يشعرون بالغربة مع ثقافتهم العربية والاسلامية، من يشعر بالغربة هم القتلة الذين يعيشون في بلاد أخرى في خيالهم المريض غير بلادنا. وخانوا العيش والملح الممتد من آلاف السنين .
الشهيد الدكتور محمد القسوس مسيحي من الكرك يجسد اسمه ثقافة مسيحيي الأردن المنتمية لفضائها العربي الإسلامي
شهداء حمود منا ونحن منهم
الاعتداء على الكنيسة في قرية حمود جنوب الأردن اعتداء على كل واحد فينا، وعلى تاريخنا ونسيجنا الاجتماعي.
ليس في تاريخ الأردن انقسام طائفي ولا فتنة طائفية. المسيحيون جزء أصيل من النسيج المجتمعي، والأحلاف العشائرية والحارات والتقسيمات الاجتماعية ليست مبنية على اعتبارات طائفية، وهذه خصوصية نادرة حتى على المستوى العالمي. ظل الأردن قصة وحدة حقيقية، نعيشها في تفاصيل حياتنا اليومية.
والأردن جزء من بلاد الشام التي شهدت ميلاد المسيحية. المسيحيون وكنائسهم متجذرون في هذه الأرض؛ ففيها من أقدم الكنائس، ومقامات الأنبياء، إلى جوار قبور الصحابة ومقاماتهم. هذه البلاد، بتاريخها وأهلها، تعبير عن هوية عربية إسلامية مشتركة، أسهم المسيحيون في بنائها ، وظلوا شركاء فيها ومعتزين بها.
ومن هذا التاريخ قبيلة العزيزات التي قاتلت مع المسلمين ولم تدفع الجزية. فالمسيحيون هنا أهل البلاد وأبناء عشائرها، وتاريخهم جزء من تاريخها. ظلوا مواطنين قبل كل شيء، معتزين بتراثهم العربي والإسلامي، ومنحازين إلى وطنهم وأمتهم، ولم تتحول اختلافاتهم الدينية إلى حدود تفصلهم عن مجتمعهم.
ولا أنسى الدكتور كامل أبو جابر، رحمه الله، حين كان يحدثني عن اعتزازه بهذا التراث. كان يقول لي إنه يوضح لزوجته الأمريكية أن أبطاله هم أبطال المسلمين: عمر بن الخطاب وصلاح الدين وخالد بن الوليد؛ هؤلاء أبطاله أيضاً، ولا شيء يفصله عن الثقافة الإسلامية.
هكذا عرفت المسيحيين في الأردن: عروبيين، شديدي الاعتزاز بعروبتهم، منحازين إلى أمتهم، وليسوا طائفيين أو منحازين إلى طوائفهم على حساب انتمائهم الوطني والعربي. هذه القيمة العليا هي المستهدفة في هذا الاعتداء، والرد عليه يكون بالحفاظ عليها.
تصوير المعماري عمار خماش 1984
إن كثيراً من أجدادنا في هذه المنطقة كانوا مسيحيين؛ وحين جاء الإسلام، دخل فيه
بعضهم وبقي بعضهم على مسيحيته، وظلت بيننا روابط الأرض والقرابة والجيرة.يوجد جهل كبير في العالم عموما والعالم العربي خصوصا بالأردن، وعلاقات أبنائه من مختلف الطوائف، وهذا ينطبق على فلسطين لكن في إطار مديني أكثر، في الأردن تعلو الروابط القبلية على الروابط الطائفية، والتقسيم مبني على أحلاف عشائرية يدخل فيها المسيحي. وفي العادات والتقاليد لا توجد فروق تذكر، وقد كتبت من قبل نقلا عن الدكتور جمال الشاعر، إن والده عندما بدأت ظاهرة كشف الرأس في الخمسينات، وأرادت أمه كشف رأسها، رفض وقال، لن تكشفيه حتى تكشف آخر مسلمة في السلط رأسها. فهو لا يريد أن يخلق تميزا في ثقافة اللباس بين المسلم والمسيحي في السلط،
ويروي عالم اللغات القديمة الدكتور عمر الغول قصة طريفة على حاسبه في للفيس بوك “رجال حمود والصلاة على النبي، في عام 2008، أدرتُ، بتكليف من الدائرة الثقافية بالبنك الأهلي، مشروعًا لتوثيق التراث الغذائي بالأردن، وعمل بالمشروع حينها اثنان وعشرون باحثًا وباحثة، جابوا أرجاء الأردن كلها، ليجروا مقابلات مع الناس عن التراث الغذائي بأشكاله كافة. ولغايات عملية، كان الباحثون يسجِّلون المقابلات صوتيًا في الميدان، ثم يفرغونها كتابيًا على الورق في وقت لاحق. وكان مما يتندَّر به الباحثان، زكريا النعيمات وحسن النعيمات، أن ساعات التسجيل الطويلة تعود فتتقلص إلى النصف، عندما يحذفان منها عبارات المجاملة، واللوازم التي تتكرر في الحديث، وفي مقدمتها عبارة “صَلِّ على النبي” التي اعتاد كثير من كبار السنِّ، خاصة، أن يبدأ إجابته بها، بل وكثيرًا ما كرروها في السياق العام للحديث.
وفي يوم من الأيام، أبلغني حسن وزكريا أنهما مقبلان على إجراء مقابلات مختلفة، تتطابق فيها ساعات التسجيل مع ساعات التفريغ الورقي، لأنهما عزما في اليوم التالي على زيارة قرية حمود بالكرك، وأهلها مسيحيون، فلن يكون في كلامهم “صلِّ على النبي”!
فأجريا المقابلات، ورجعا إلى إفراغها، فكانت المفاجأة أن مدة المقابلات جاءت أقصر كثيرًا من المتوقَّع، لأن “ختيارية” حمود المسيحيين، كانوا كلما أجابوا على سؤال بدأوا إجابتهم بقولهم: “هوُ صلِّ على النبي”!، ثم كرروها في مواضع عديدة من المقابلة، فاتصلا بي ليبلغاني: “المقابلات بحمود طلعت قصيرة، لأن الحال من بعضه! أهل حمود بصلُّوا على النبي زي المسلمين”!
ويروي المعماري المرموق عمار خماش ، وهو من عائلة مقدسية فلسطينية مسلمة، لا كركية ولا مسيحية قصته مع حمود، يقول في صفحته على فيس بوك ، “في
ربيع ١٩٨٤ سكنت في قريه حمدو لبضعة اسابيع ، لتوثيق العماره و الحياه التقليدية فيها.
عندما وصلت كانت البلده في بدايه اعمال بناء الكنيسة الجديده ، امام الكنيسة التقليدية القديمه ذات القناطر و التي يعود تاريخ بنائها إلى بدايات القرن الماضي (١٩٠٠ – ١٩١٠ ) و في اول ايام تواجدي في حمود تشاركت بالسكن مع العمال المصريين العاملين في بناء اساسات الكنيسه الجديده حينها. بعد بضعة ايام وصل الخبر إلى خوري حمود ان هنالك شاب من عمان (كنت بعمر ٢٣ سنه ) يقوم بقياسات البيوت القديمة و تصويرها، فجاء الىّ و أخذني لأسكن في فرنده بيته الذي كان في طرف القريه الجنوبي الشرقي على ما اذكر ، و من يومها و اهل حمود كانوا يرسلون الخبز و البيض المسلوق و الجبن و الزعتر إلى اماكن تواجدي في الأزقة القديمة و حتى في الوديان في محيط القريه إلى الشرق و الشمال الشرقي. ” يكاد يكون ما صوّره خماش التوثيق الوحيدة لقرية حمود .
وعلى المستوى الشخصي، لا تختلف حكايتي عنهم ، نشأت في حي ذي أغلبية مسيحية في جبل الحسين. كانت مدرسة راهبات الناصرة بالقرب من جامع الحسين الغربي، وكانت مدرسة الفرير وغيرها جزءاً من معالم المكان وحياته. هكذا عرفنا جبل الحسين، وجبل اللويبدة، وغيرها من جبال عمّان: أحياء مختلطة تجمع أهلها، ولا تفصل بينهم حدود طائفية.
ما حصل في حمود محزن وصادم، وغير مسبوق في تاريخ الأردن، وداعش تنظيم إجرامي يخدم الأجندات الخارجية. ومثل هذا العمل لا يخدم إلا العدو الصهيوني، المستفيد من تمزيق مجتمعاتنا وضرب وحدتها.، نظرية المؤامرة لا تنفي وجود مؤامرة صهيونية تستخدم وتخترق داعش كما استخدمت من قبل ابو نضال وغيره . وقناعتي ان داعش، ليست مؤامرة اسرائيلية أو إيرانية . وهي تشوه فكري له أسباب معقدة وكثيرة ..
سيطرت داعش على حوض اليرموك ولم تطلق طلقة على العدو الصهيوني ، في المقابل ولغت بدماء السوريين من الفصائل كافةالإرهابيون الثلاثة الذين اطلقوا زخات الرصاص على المصلين العزل وقتلوا أبرياء في كنيستهم، في الكرك في الأردن ، تركوا في المقابل 400 كيلو على الحدود التي يتواجد فيها جيش الاحتلال ( بمعزل عن قانونية عمل كهذا ) يعني انتحاري وغير سائل بحياتك ولا بدولة ولا قانون تقتل مواطن من بلدك وتترك عدو يحتل الأقصى ويرتكب مجازر إبادة جماعية و ..تماما كما ترك المجند من الموساد في تنظيم أبو نضال شيمون بيريز في مؤتمر الاشتراكية الدولية وقتل عصام سرطاوي .
يستهدف الإرهاب الصهيوني الأردن ، بأدوات من جلدتنا جهلة متطرفون يسهل اختراقهم وتوجيههم .خالص العزاء لأهالي الشهداء الضحايا، والأمنيات بالشفاء العاجل للجرحى، وكل الأمل بكشف من يقف وراء هذه الجريمة وإيقاع أقصى العقوبات بحقه؛ لأنه لم يعتدِ على مواطنين عزّل فحسب، بل اعتدى على كل واحد فينا، وعلى تاريخنا المشترك.
ما حصل يؤلمنا جميعاً، لكنه لن يستطيع تغيير ثقافتنا ولا تاريخنا، بل سيجعلنا أشد تمسكاً بهما، وأكثر حرصاً على وحدتنا.
تظل حمود كما غناها توفيق النمري
أغنية تتحدى الإرهاب
فيهم بنت من ” حمود” يا قعودِ..







