الغدرُ بالوسيط بعد واجب العزاء
“أوصلت قطر رسالة قوية وواضحة إلى إيران، من المفترض أن يفهمها الإيرانيون، ويتصرفوا بحكمة وأخلاق، وبتقدير لمصالحهم ومصالح جيرانهم.”
اشتعلت النار في غرفة محرّكات ناقلة الغاز القطرية «الركيّات» في مضيق هرمز، بعد أيامٍ معدودة من وقوف وفد قطري رفيع المستوى في صفّ العزاء، يؤدي واجبًا لجارٍ برحيل مرشد الجمهورية الإيرانية. الغدرُ بالوسيط بعد واجب العزاء. وتلا المقرئ في “ديبلوماسية الآيات ” قوله تعالي : «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر».
السلوك الإيراني مع قطر يعمّق أزمة الثقة بين إيران والعالم العربي بعامة، والخليج بخاصة. الهجوم على ناقلة الغاز القطرية عملُ قرصنةٍ وقطاعِ طرقٍ ابتداءً. ويصبح أكثر خسةً ونذالةً، وبعدًا عن قيم الإسلام وأخلاق الجيران والقانون الدولي، في الوقت الذي عملت فيه قطر المستحيل لمنع وقوع الحرب ووقفها بعد اندلاعها. وكان نجاح وساطتها سببًا في حرب أخرى «ناعمة» شنّها اللوبي الصهيوني من خلال إعلامه ومراكز بحثه.
غدرٌ بالوسيط، وقلة احترامٍ للجار وللضيف الذي قام بواجب العزاء قبل أيام، يستوجب تفسيرًا واعتذارًا وتعويضًا. هذا إذا كان العمل خطأ!
وهو ما ذكّر بالغدر الإسرائيلي عندما قصف الطيران الإسرائيلي الدوحة أثناء مناقشة وفد حماس لمقترحات الوساطة.
تريد إيران أن تفرض تفسيرها الخاص لمذكرة التفاهم التي أنهت الحرب، لا بالكلمة والحجّة، بل بالتحرّش والقرصنة. تريد أن تجعل عبور مضيق هرمز رهينةً بإذن الحرس الثوري، فتحوّل «إدارة الخدمات البحرية» المكتوبة في نصّ الهدنة إلى حقّ فيتو فعليٍّ على حركة العالم. من يرفض التنسيق مع طهران يصبح هدفًا مشروعًا في منطق بيانها. وهذا بالضبط ما لا تحتمله دول المنطقة، ولا الاقتصاد العالمي، ولا واشنطن، ولم يحصل حتى في عزّ الحرب العراقية الإيرانية، وفي وقت كان مؤسس الجمهورية على قيد الحياة.
ردّت واشنطن سريعًا بضربات على سيريك وبندر عباس وقشم، ثم بإلغاء الترخيص الذي كان يسمح لإيران ببيع نفطها، وهو الحافز الأثمن الذي أُغريت به طهران لتجلس إلى الطاولة. وارتفع سعر البرميل، وعادت أسواق الطاقة إلى القلق بعد شهرٍ من التهدئة. الدرس المرّ أنّ من يلعب بالنار في هرمز يحرق أوّل ما يحرق ورقته الاقتصادية بيده.
ثمّة في طهران من يريد تخريب الوساطة واستمرار الحرب، وربما كان هذا الطرف مخترقًا، يلتقي عند الغاية نفسها مع نتنياهو التقاءً كاملًا. فالحرب مصلحته، والتهدئة هزيمته. ومن المفارقات أنّ نجاح الوساطة القطرية استدعى حربًا أخرى «ناعمة» شنّها اللوبي الصهيوني بإعلامه ومراكز أبحاثه، لأنّ آخر ما يحتمله هذا اللوبي أن ترى دولة عربية تنجح في إيقاف الحرب.
الوساطة ليست ضعفًا، وقطر لم تحتمِ بإسرائيل وتتحالف معها. دافعت باقتدار، عسكريًا ودبلوماسيًا، عن وجودها وترابها وبحرها ومصالحها. وهي اليوم، بعد الاعتداء الغادر، أوصلت رسالة قوية وواضحة إلى إيران، من المفترض أن يفهمها الإيرانيون، ويتصرفوا بحكمة وأخلاق، وبتقدير لمصالحهم ومصالح جيرانهم.
الإدانة السعودية وبيان مجلس التعاون يصنعان جدارًا واحدًا يجعل أمن الملاحة قضية أمّة، لا قضية دولة، ويحرمان طهران من محاولة عزل الدوحة والتعامل مع كل دولة على حدة.
في أخلاق الجيرة، وفي قيم الإسلام التي تدّعي إيران الالتزام بها، وفي القانون الدولي، للضيف حرمة، وللجار ذمّة، وللوسيط مكانةٌ تُصان. من نقض هذه العهود في لحظة واحدة يصنع أزمة ثقةٍ لن تُرمَّم بالبيانات. فليعتذر من أخطأ، وليُحاسَب من تعمّد الخطأ.
أمّا قطر، فتبقى على عهدها: تصنع السلام حين يعزّ صانعوه، وتُظهر من القوّة ما يحفظ حقوقها، دون غطرسة أو ظلم أو عدوان.







