أخطر من أردوغان وخامنئي: معاريف وهذيان الليكود وأضغانه
تعود معرفتي بالمفكر العربي الدكتور عزمي بشارة إلى منتصف التسعينيات، قبل أن أعمل مع قطر وقبل أن ينتقل إليها. يومها دعاه الدكتور مصطفى الحمارنة مدير مركز الدراسات الاستراتيجية لإلقاء محاضرة عامة في الجامعة الأردنية، وكانت تلك أول مرة ألتقيه فيها. أذهلني، وأنا المتابع للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي منذ نعومة أظفاري، فضلاً عن نشأتي في أوساط فلسطينية، حجمُ جهلي بالمشروع الصهيوني، وسمعت منه يومها مصطلح «الأسرلة». وبقيت منذ ذلك اليوم متابعاً لإنتاجه الفكري العميق الغزير، وصديقاً شخصياً أحمل له الودّ والتقدير والامتنان.
وليست هذه الحملة على الدكتور عزمي بشارة جديدة، فقد غادر بلده بعد حملة ترهيب أمنية وسياسية توّجت بلائحة اتهام. والسبب الحقيقي للملاحقة ليس التهم الفارغة بالتخابر مع حزب الله في حرب تموز، بل إنّ الرجل يُعدّ من أبرز المفكرين العرب المعاصرين، صاحب مشروع فكري وأكاديمي يعجز المنظّرون الصهاينة عن مجاراته، لا في الجامعات، ولا في مراكز الأبحاث، ولا في الإعلام العالمي. ولذلك تلجأ إسرائيل إلى حملات التشويه والاستهداف الشخصي، لأنها تعجز عن مواجهته في ميدان الفكر.
والمفارقة أنّ أبا عمر تلتقي عليه ثلاث جبهات: جبهة العدو الصهيوني الذي احتل أرضه وسلب شعبه وشرّده ويستشعر خطره، وجبهة إيران التي لم تغفر له موقفه من الثورة السورية، وجبهة الإسلاميين الطائفيين الذين يصنّفونه مسيحياً علمانياً معادياً لهم. وفي مقابل هذه الجبهات تقف معه جبهات عريضة: تيار فكري عالمي ديمقراطي مناصر للحريات وللقضية الفلسطينية، ومقاومون للصهيونية من حماس وغيرها يرون فيه سنداً فكرياً لمشروع المقاومة، وديمقراطيون في العالم العربي عبّر عنهم الربيع العربي، ومنهم أكثرية الإسلاميين الذين يرون فيه حليفاً موثوقاً صادقاً يجمعهم به أكثر مما يفرّقهم، ويدركون أنّ المستبدين يعادونه لوقفته مع الضحايا ومنهم الإسلاميون.
شرحت معاريف الصورة :«عزمي بشارة يلقي خطابًا في فرنسا، في نوفمبر الماضي. حازم، موهوب، ومركّز.»
أما الحملة على قطر فليست جديدة أيضاً، بل تعود جذورها إلى نحو عام 2006 واستمرت حتى اليوم. وقبل ذلك كانت قطر في موقع مختلف؛ فقد راهنت على نجاح عملية السلام، واستقبلت شمعون بيريز، وافتتحت مكتباً تجارياً إسرائيلياً، وكانت تُصنَّف لدى كثيرين ضمن ما سُمّي محور السلام. ومع ذلك لم تسلم من الهجوم.
والحقيقة أنّ قطر لم تتخلَّ يوماً عن موقفها التاريخي الداعم للقضية الفلسطينية، سواء على مستوى المناهج التعليمية أو الإعلام أو المؤسسات الأكاديمية. لقد حاولت منح عملية السلام فرصة، لكنها اكتشفت أنّ الطرف الإسرائيلي كان يستخدمها لتصفية ما تبقّى من الهوية الفلسطينية والعربية، لا لتحقيق سلام عادل.
واليوم يأتي استهداف قطر، كما استهداف المؤسسات والشخصيات العاملة فيها، في سياق شعور إسرائيل بتزايد عزلتها الدولية. وهذه العزلة ليست من صنع قطر؛ فهي لم تكن طرفاً في الحروب العربية الإسرائيلية، وهي بعيدة جغرافياً، ولا تمتلك جيوشاً أو حاملات طائرات، لكنها حافظت على هويتها العربية والإسلامية، وتمسّكت بدعمها السياسي والإنساني للقضية الفلسطينية.
وحتى في الحرب على إيران، كانت قطر تدافع عن أمنها الوطني ومصالحها الوجودية، ولم تكن طرفاً يسعى إلى إشعال الحرب أو توسيعها. ومن ثمّ لا يمكن بأيّ منطق تحميلها مسؤولية صراع لم تصنعه، أو معاقبتها لأنها سعت إلى حماية نفسها والقيام بدور الوسيط في منطقة تعصف بها الأزمات.
وفي هذا السياق يقرأ الهذيان وما عبر عنه من أضغان في صحيفة معاريف الإسرائيلية عدد الجمعة 10-07-2026بعنوان «المعركة على أميركا»، يصف الدكتور عزمي بشارة بأنه عدوّ لإسرائيل “أخطر من أردوغان وخامنئي معاً”. ليست هذه شتيمة عابرة من كاتب هامشي. صاحب المقال هو ميخائيل كلاينر، محامٍ وسياسي يميني قومي، خدم ضابطاً في الاستخبارات العسكرية، وعضو كنيست سابق عن الليكود، ويشغل اليوم رئاسة المحكمة الداخلية للحزب. حين يصدر كلام كهذا من قلب المؤسسة لا من هامشها، فهو يستحق أن نتوقف عنده.
خلاصة المقال أنّ إسرائيل تفقد تدريجياً دعمها التقليدي في أميركا، لدى الديمقراطيين وحتى بين شباب الجمهوريين. وبدل أن يبحث الكاتب عن السبب الحقيقي، يختصر الأزمة كلها في مؤامرة تقودها قطر ويجسّدها رجل واحد هو عزمي بشارة. ولا حاجة إلى تأويل كلامه، فهو يقوله بنفسه، تحت عنوان صريح هو «إمبراطورية شرّ»:
«لكن العلاج يقتضي تشخيصاً. علينا أن نفهم أن التغيّر نحو الأسوأ ليس عرضياً. إنه حملة منظّمة ومخطَّطة يشنّها عدوّ عازم وماهر ومركّز وطويل النَّفَس، يعمل بصبر وأناة على تقويض ما يعدّه جوهر معنى دولة إسرائيل الذي لا قيام لها بغيره. ولهذا العدوّ وجه واسم. إنه يتمركز في قطر، ولا يمكن ألا نتبيّن بصمات الأيديولوجي والعقل المخطِّط وقائد الجهد القطري، معرفتنا القديمة عزمي بشارة، عضو الكنيست السابق بل المرشّح المسجَّل يوماً لرئاسة حكومة إسرائيل.»
«أقام بشارة في قطر إمبراطورية من المعاهد ومراكز الأبحاث والدوريات، تعمل فعلياً كمقرّ قيادة لتقويض مكانة إسرائيل الحرة والولايات المتحدة على وجه الخصوص. وعضو الكنيست بشارة عدوّ بالغ الخطورة والدهاء معاً.»
تأمّلوا المفارقة: إمبراطورية بحثية تُنتج الأفكار والكتب والمقالات، توصَف بأنها «أنفاق» أخطر من أنفاق الحرب. هذا وحده اعتراف بأنّ الكلمة والحجة صارتا تخيفان أكثر من السلاح.
والجديد في هذه الحملة ليس مهاجمة قطر في ذاتها، بل الانتقال من نقد سياسات الدولة إلى استهداف رموزها وأدوات قوتها الناعمة: مؤسسة قطر، والجزيرة، والدكتور عزمي بشارة والمؤسسات التي ترتبط به. وبالتزامن مع المقال، تبث السبت هيئة البث الإسرائيلية فيلماً عن سمو الشيخة موزا ومؤسسة قطر ودورها في الجامعات الأميركية.
ولماذا الآن؟ لأنّ قطر نجحت في وقف الحرب. انتقلت من الوساطة في ملف غزة إلى لعب الدور نفسه في الملف الإيراني، ونجحت في وساطة أفضت إلى وقف الحرب بين واشنطن وطهران. هذا النجاح تحديداً هو ما تراه حكومة نتنياهو خسارة استراتيجية صافية، فجاءت الحملة رداً على انتصار الوسيط لا على خطأ ارتكبه.
لكن الأهم أنّ هذه الحملة محاولة هروب من المراجعة. فبعد مشاهد الدمار في غزة، خسرت إسرائيل جانباً واسعاً من الرأي العام الغربي. وبدل الاعتراف بأنّ الحرب نفسها هي التي شوّهت صورتها، يجري تحويل الأزمة إلى «تآمر خارجي» يقوده عقل عربي واحد.
استهدافه بهذه الحدّة يكشف اعترافاً إسرائيلياً بأنه من أقدر العقول على فهم المشروع الصهيوني وتفكيكه نقدياً. ولأنّ مناقشة أطروحاته بالحجة مكلفة وصعبة، صار التشويه الشخصي والاغتيال المعنوي الطريق الأسهل والأرخص. حتى إنّ الكاتب يعود إلى خصومة قديمة تعود إلى عام 2002، حين عجزت المؤسسة عن شطب ترشح بشارة للكنيست، فيكتب بمرارة الشاهد:
«وبصفتي شاهداً على كيف أوقع بشارة عام 2002 القاضي ميشائيل حيشين في شبكة سحره وقدرته الفكرية، وكان حينها رئيس لجنة الانتخابات المركزية للكنيست، فدفعه إلى رفض طلب شطب ترشحه للكنيست… فإنه واضح لي كيف تصرّف مراراً وتكراراً بالطريقة نفسها بالضبط.»
وهو استدعاء يفضح الطابع الشخصي للحملة أكثر مما يسندها بحجة.
الرد على هذا كله لا يكون بالشعارات، بل بإبراز الإنتاج الفكري والعلمي للمفكر، والمنشور لدى أعرق المؤسسات الأكاديمية في العالم، وببناء قدرة إعلامية عربية محترفة ترصد حملات التشويه وتفككها بالحجة والوثيقة قبل أن تتحول إلى روايات راسخة.
أن تصنّف عدواً أخطر من رؤساء الدول، شهادةٌ لا يمنحها الخصم إلا لمن أقلقه فعلاً..





