نتنياهو يشرعن تخلفهم عن الخدمة العسكرية في وقت يعاني جيشه نقصا في المقاتلين

“أقرّ ائتلاف نتنياهو اليوم، في القراءة الأولى، مشروع قانون ينص على أن نحو 50 ألف طالب في المدارس الدينية اليهودية (اليشيفات)، من أصل ما يقارب 80 ألف حريدي في سن التجنيد، يتمتعون بوضع قانوني يساوي دراسة التوراة بالخدمة العسكرية. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه إسرائيل تخوض حرباً على عدة جبهات، بينما يحذّر الجيش الإسرائيلي من أنه يعاني نقصاً يقدَّر بنحو 10 آلاف جندي، بينهم نحو 6 آلاف مقاتل.”

بدلاً من التهافت على التطبيع والانبهار بالنموذج الصهيوني، يجدر بنا أن نفهم سر قوة المشروع الصهيوني، وكيف استطاع أن يحوّل تناقضاته الداخلية إلى عناصر قوة، لا إلى أسباب للانقسام.

ولفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى البدايات. عندما قامت إسرائيل عام 1948، لم يكن عدد اليهود المتدينين المتشددين (الحريديم) يتجاوز ما بين 35 و45 ألف نسمة، وكان دافيد بن غوريون قد منح إعفاءً من الخدمة العسكرية لنحو 400 طالب يشيفا فقط، باعتباره استثناءً مؤقتاً لحماية ما تبقى من المدارس الدينية بعد المحرقة. في ذلك الوقت، كان الحريديم يمثلون هامشاً اجتماعياً وسياسياً، بينما قاد الدولة مؤسسوها العلمانيون( يقال كثير منهم ملاحدة) الذين بنوا الجيش والأجهزة الأمنية والاقتصاد ومؤسسات الحكم.

واليشيفا هي مؤسسة تعليمية دينية يهودية مخصصة لدراسة التوراة والتلمود والنصوص الدينية، ويقضي طلابها معظم وقتهم في التعلم الديني المكثف، وغالباً ما يُنظر إلى هذه الدراسة داخل المجتمع الحريدي بوصفها عبادة وتقرّب إلى الله.

ومع مرور الوقت، لم تتعامل دولة الاحتلال مع هذا المكون بوصفه عبئاً دائماً، بل أبقت الباب مفتوحاً أمام اندماجه السياسي. ومع النمو الديموغرافي السريع، وهو الأعلى بين مكونات المجتمع الإسرائيلي، ارتفع عدد الحريديم إلى أكثر من 1.45 مليون نسمة، أي نحو 14% من سكان الدولة، مع معدل نمو يقارب 4% سنوياً. وانعكس هذا النمو مباشرة على موازين القوة السياسية. فبعد أن كانت الأحزاب الحريدية تشغل بضعة مقاعد فقط في الكنيست، أصبحت اليوم تمتلك 18 مقعداً من أصل 120، بواقع 11 مقعداً لحزب شاس و7 مقاعد لتحالف يهدوت هتوراة، ما جعلها شريكاً لا غنى عنه في معظم الائتلافات الحكومية، وقادرة على فرض شروطها على رؤساء الحكومات، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو.

ومن هنا تتضح ملامح المفارقة التي نراها اليوم. فبينما يعلن الجيش الإسرائيلي أنه يحتاج بصورة عاجلة إلى نحو 10 آلاف جندي إضافي، بينهم 6 آلاف مقاتل، يوجد في المقابل قرابة 80 ألف حريدي في سن التجنيد لا يؤدون الخدمة العسكرية، من بينهم نحو 50 ألف طالب يشيفا كانوا يتمتعون بالإعفاء المرتبط بالدراسة الدينية. وبدلاً من تضييق دائرة الإعفاء، يتجه الائتلاف الحاكم إلى ترسيخها بقانون يمنح دراسة التوراة مكانة تعادل الخدمة العسكرية، ويكرس استمرار هذا الواقع.

الحريديم لا يخجلون من تخلفهم عن الخدمة العسكرية ، فهم يرون أن حماية إسرائيل لا تتحقق بالسلاح وحده، بل إن دراسة التوراة والعبادة تمثلان خط الدفاع الحقيقي عنها. وقد عبّر عن ذلك الحاخام الأكبر السابق للسفارديم، يتسحاق يوسف، أثناء حرب غزة، عندما قال: «أُطلق على إسرائيل 13 ألف صاروخ… بفضل مَن حدثت المعجزات؟ هل بفضل رئيس الأركان؟ لا، بل بفضل دارسي التوراة وطلاب اليشيفات»، وأضاف: «لقد نجونا من هجمات الشمال والجنوب ومن إرهابيي حماس بفضل أبناء اليشيفات، فهم الذين يحمون جميع الجنود وكل شعب إسرائيل.» وهذا التصور ليس مجرد خطاب ديني، بل يعكس عقيدة راسخة داخل المجتمع الحريدي ترى أن دراسة التوراة تمثل مساهمة في أمن الدولة تعادل، بل تفوق، الخدمة العسكرية.

ورغم الاحتجاجات الواسعة داخل إسرائيل، والغضب المتزايد داخل المؤسسة العسكرية، لا يتردد بنيامين نتنياهو في تقديم التنازلات للحريديم، لأن بقاء حكومته يعتمد على أصواتهم أكثر مما يعتمد على رضا الجيش أو الرأي العام.

في المقابل، فإن ما يجمع العرب من لغة ودين وتاريخ وثقافة يفوق كثيراً ما جمع اليهود القادمين من عشرات الجنسيات والثقافات المختلفة عند تأسيس إسرائيل. ومع ذلك، ما زال الواقع العربي يعيش حالة من الاستقطاب والإقصاء والتخوين، حتى تجاه تيارات يمكن استيعابها ضمن مشروع جامع.

ليس المقصود الإعجاب بالمشروع الصهيوني، وإنما فهم أحد أسرار قوته: قدرته على إدارة التناقضات الداخلية وتحويلها إلى أدوات تخدم المشروع العام، حتى عندما تبدو هذه التناقضات مناقضة لمقتضيات الأمن أو المنطق السياسي. كما لا ينبغي أن ننسى أن هذا المشروع لم يقتصر على استيعاب اليهود، بل نجح أيضاً في دمج غير اليهود داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش، حيث يخدم اليوم مواطنون عرب، وبينهم مسلمون، في صفوفه.

لنتعلم من عدونا ، كيف استوعب العلمانيون الحريديم

نتنياهو يشرعن تخلفهم عن الخدمة العسكرية في وقت يعاني جيشه نقصا في المقاتلين

“أقرّ ائتلاف نتنياهو اليوم، في القراءة الأولى، مشروع قانون ينص على أن نحو 50 ألف طالب في المدارس الدينية اليهودية (اليشيفات)، من أصل ما يقارب 80 ألف حريدي في سن التجنيد، يتمتعون بوضع قانوني يساوي دراسة التوراة بالخدمة العسكرية. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه إسرائيل تخوض حرباً على عدة جبهات، بينما يحذّر الجيش الإسرائيلي من أنه يعاني نقصاً يقدَّر بنحو 10 آلاف جندي، بينهم نحو 6 آلاف مقاتل.”

بدلاً من التهافت على التطبيع والانبهار بالنموذج الصهيوني، يجدر بنا أن نفهم سر قوة المشروع الصهيوني، وكيف استطاع أن يحوّل تناقضاته الداخلية إلى عناصر قوة، لا إلى أسباب للانقسام.

ولفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى البدايات. عندما قامت إسرائيل عام 1948، لم يكن عدد اليهود المتدينين المتشددين (الحريديم) يتجاوز ما بين 35 و45 ألف نسمة، وكان دافيد بن غوريون قد منح إعفاءً من الخدمة العسكرية لنحو 400 طالب يشيفا فقط، باعتباره استثناءً مؤقتاً لحماية ما تبقى من المدارس الدينية بعد المحرقة. في ذلك الوقت، كان الحريديم يمثلون هامشاً اجتماعياً وسياسياً، بينما قاد الدولة مؤسسوها العلمانيون( يقال كثير منهم ملاحدة) الذين بنوا الجيش والأجهزة الأمنية والاقتصاد ومؤسسات الحكم.

واليشيفا هي مؤسسة تعليمية دينية يهودية مخصصة لدراسة التوراة والتلمود والنصوص الدينية، ويقضي طلابها معظم وقتهم في التعلم الديني المكثف، وغالباً ما يُنظر إلى هذه الدراسة داخل المجتمع الحريدي بوصفها عبادة وتقرّب إلى الله.

ومع مرور الوقت، لم تتعامل دولة الاحتلال مع هذا المكون بوصفه عبئاً دائماً، بل أبقت الباب مفتوحاً أمام اندماجه السياسي. ومع النمو الديموغرافي السريع، وهو الأعلى بين مكونات المجتمع الإسرائيلي، ارتفع عدد الحريديم إلى أكثر من 1.45 مليون نسمة، أي نحو 14% من سكان الدولة، مع معدل نمو يقارب 4% سنوياً. وانعكس هذا النمو مباشرة على موازين القوة السياسية. فبعد أن كانت الأحزاب الحريدية تشغل بضعة مقاعد فقط في الكنيست، أصبحت اليوم تمتلك 18 مقعداً من أصل 120، بواقع 11 مقعداً لحزب شاس و7 مقاعد لتحالف يهدوت هتوراة، ما جعلها شريكاً لا غنى عنه في معظم الائتلافات الحكومية، وقادرة على فرض شروطها على رؤساء الحكومات، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو.

ومن هنا تتضح ملامح المفارقة التي نراها اليوم. فبينما يعلن الجيش الإسرائيلي أنه يحتاج بصورة عاجلة إلى نحو 10 آلاف جندي إضافي، بينهم 6 آلاف مقاتل، يوجد في المقابل قرابة 80 ألف حريدي في سن التجنيد لا يؤدون الخدمة العسكرية، من بينهم نحو 50 ألف طالب يشيفا كانوا يتمتعون بالإعفاء المرتبط بالدراسة الدينية. وبدلاً من تضييق دائرة الإعفاء، يتجه الائتلاف الحاكم إلى ترسيخها بقانون يمنح دراسة التوراة مكانة تعادل الخدمة العسكرية، ويكرس استمرار هذا الواقع.

الحريديم لا يخجلون من تخلفهم عن الخدمة العسكرية ، فهم يرون أن حماية إسرائيل لا تتحقق بالسلاح وحده، بل إن دراسة التوراة والعبادة تمثلان خط الدفاع الحقيقي عنها. وقد عبّر عن ذلك الحاخام الأكبر السابق للسفارديم، يتسحاق يوسف، أثناء حرب غزة، عندما قال: «أُطلق على إسرائيل 13 ألف صاروخ… بفضل مَن حدثت المعجزات؟ هل بفضل رئيس الأركان؟ لا، بل بفضل دارسي التوراة وطلاب اليشيفات»، وأضاف: «لقد نجونا من هجمات الشمال والجنوب ومن إرهابيي حماس بفضل أبناء اليشيفات، فهم الذين يحمون جميع الجنود وكل شعب إسرائيل.» وهذا التصور ليس مجرد خطاب ديني، بل يعكس عقيدة راسخة داخل المجتمع الحريدي ترى أن دراسة التوراة تمثل مساهمة في أمن الدولة تعادل، بل تفوق، الخدمة العسكرية.

ورغم الاحتجاجات الواسعة داخل إسرائيل، والغضب المتزايد داخل المؤسسة العسكرية، لا يتردد بنيامين نتنياهو في تقديم التنازلات للحريديم، لأن بقاء حكومته يعتمد على أصواتهم أكثر مما يعتمد على رضا الجيش أو الرأي العام.

في المقابل، فإن ما يجمع العرب من لغة ودين وتاريخ وثقافة يفوق كثيراً ما جمع اليهود القادمين من عشرات الجنسيات والثقافات المختلفة عند تأسيس إسرائيل. ومع ذلك، ما زال الواقع العربي يعيش حالة من الاستقطاب والإقصاء والتخوين، حتى تجاه تيارات يمكن استيعابها ضمن مشروع جامع.

ليس المقصود الإعجاب بالمشروع الصهيوني، وإنما فهم أحد أسرار قوته: قدرته على إدارة التناقضات الداخلية وتحويلها إلى أدوات تخدم المشروع العام، حتى عندما تبدو هذه التناقضات مناقضة لمقتضيات الأمن أو المنطق السياسي. كما لا ينبغي أن ننسى أن هذا المشروع لم يقتصر على استيعاب اليهود، بل نجح أيضاً في دمج غير اليهود داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش، حيث يخدم اليوم مواطنون عرب، وبينهم مسلمون، في صفوفه.