الرئيسية » المدونة » أبناء السعوديات… “أجانب” ينتظرون انتهاء التمييز والمعاناة

أبناء السعوديات… “أجانب” ينتظرون انتهاء التمييز والمعاناة

أبناء السعوديات المتزوجات من أجانب، ليسوا من السعوديين بموجب القانون، وهو ما يوقعهم تحت أشكال مختلفة من التمييز، تدفع كثيرين من بينهم إلى مغادرة المملكة، في انتظار حلّ ما لأوضاعهم

يعاني أبناء السعوديات المتزوجات من غير سعوديين، ممن يبلغ عددهم وفق مصادر حقوقية مليوناً و500 ألف شخص، من تمييز كبير داخل وطن أمهاتهم الذي لم يعرفوا غيره وطناً، وسط مطالبات حقوقية ونسوية بإعطاء المرأة السعودية حق تمرير جنسيتها لأبنائها كما هو معمول به في أغلب دول العالم. وبحسب إحصائيات سعودية رسمية فإنّ عدد السعوديات المتزوجات من غير سعوديين يبلغ 700 ألف، وهو رقم يبدو كبيراً بالمقارنة مع عدد السعوديين.المرأة

سبع سعوديات حاولن الهرب قبل رهف القنون

ولا يقتصر التمييز الموجه ضد أبناء السعوديات على رفض السلطات منحهم الجنسية السعودية، أو عدم توظيفهم وإعطائهم ضمانات صحية وحياتية كما هي الحال مع المواطنين السعوديين المولودين لأب سعودي وأم أجنبية، بل تمتد أيضاً إلى فرض رسوم إقامة باهظة عليهم أجبرت كثيرين منهم على ترك البلاد التي لم يعرفوا غيرها، والاتجاه إلى بلدان أخرى بحثاً عن فرص وظيفية أفضل، كما أنّ الخطاب العنصري الذي ينتشر في وسائل التواصل الاجتماعي مخوّناً إياهم وواصفاً أبناء السعوديات بأنّهم طابور خامس يعمل من أجل أجندة “تستهدف البلاد” يصدمهم أيضاً.
يقول أحمد الإدريسي المولود في مدينة جدة لأب من الجنسية الإريترية وأم من الجنسية السعودية إنّه لم يكن يعرف أنّه إريتري الجنسية حتى بلوغه سنّ العاشرة. يعلق لـ”العربي الجديد”: “كنت سعودياً أفكر بكلّ جوارحي بهذا الوطن ولا أعرف غيره وكان الناس في الحيّ والمدرسة يعاملونني على أنّني سعودي، لكنّني اكتشفت بأنّني غير سعودي عندما أوقفتنا نقطة تفتيش مع والدي وبدأ الشرطي بتوبيخ والدي بشكل عنصري للغاية. كان موقفاً فردياً بالطبع، لكنّه أصبح نقطة تحول في حياتي”. الصورة

يضيف أحمد: “عندما كبرت بدأت المضايقات تزداد وبدأت الحكومة بالتضييق على الوافدين عموماً وأبناء السعوديات خصوصاً، وبعد وفاة والدتي اضطررت للبحث عن كفيل لأضع إقامتي على اسمه، إذ وضعت هذه الإقامة على مؤسسة كنت أعمل فيها مع تكفلي بدفع رسومها، ومع ازدياد رسوم الإقامات وانعدام وجود فرصة عمل في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة قررت السفر إلى تركيا وإنشاء شركة برمجيات تعمل بالتعاون مع الداخل السعودي من هناك”. لكنّ ما أثار دهشة الإدريسي عند وصوله إلى إسطنبول هو تعرفه على عدد من أبناء السعوديات من حملة الجنسيات اليمنية والصومالية والمصرية يعيشون خارج بلدان أمهاتهم بحثاً عن فرص أفضل في ظلّ رفض البلاد التي ولدوا وعاشوا فيها الاعتراف بهم: “وجدت عدد أبناء السعوديات الذين يعيشون في إسطنبول كبيراً، وبسؤالي الآخرين عن ظروف حياتهم تبين أنّها تكاد تكون متطابقة، بالإضافة إلى أنّني سمعت عن كثيرين ممن غادروا السعودية إلى بلدان مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا”.
بدورها، تقول سهى شريف (33 عاماً) المولودة لأب يمني مولود في السعودية، وأم سعودية من أقارب والدها، إنّها لم تكن على علم بأنّها يمنية حتى سن المراهقة، وهو السنّ الذي يبدأ فيه الشخص بالتساؤل عن هويته الوطنية بعد ملاحظته للفوارق بينه وبين أقرانه في المدرسة. وتعيش سهى شريف اليوم في الولايات المتحدة وهي طبيبة في أحد المستشفيات هناك. تقول لـ”العربي الجديد”: “إنّهم يعاقبون المرأة السعودية لأنّها تزوجت من غير سعودي عبر الانتقام من أبنائها، لكنّهم لا يعرفون أنّ سعوديات كثيرات تزوجن من أقاربهن غير السعوديين، وغالباً ما يكونون من نفس قبائلهم أو مناطقهم داخل السعودية وبينهم علاقات نسب ومصاهرة قديمة”. منذ سنوات دراستها الجامعية، نظمت سهى شريف العديد من الفعاليات داخل وخارج الجامعة، بالإضافة إلى حملات عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للتوعية بحقوق أبناء السعوديات ومحاولة الضغط على الجمعيات الحقوقية الرسمية وغير الرسمية داخل السعودية لتبني هذه القضية.المرأة

لاجئات سعوديات… هل تنجح ألمانيا في حمايتهنّ من التهديد؟

وتعيش غادة الشمري، وهي مولودة لأم سعودية وابن عمها العراقي الذي توفي أثناء الغزو الأميركي للعراق، في العاصمة السعودية الرياض بعدما تزوجت من قريب سعودي لها. تقول الشمري التي تحولت إلى ناشطة في حقوق أبناء السعوديات، بالرغم من حصولها مؤخراً على الجنسية السعودية لـ”العربي الجديد”: “هناك نقاش مجتمعي كبير حول قضية أبناء السعوديات بسبب عددهم الكبير الذي يتجاوز مليوناً ونصف، لذلك نجد هذا الموضوع مطروحاً في قنوات تلفزيونية حكومية وغير حكومية، بالإضافة إلى النقاشات في الصحف المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي”. وتضيف: “قضية أبناء السعوديات، في اعتقادي، تشبه قضية قيادة المرأة للسيارة، فهي تبدو معقدة للوهلة الأولى، لكنّ حلها سهل وبسيط وهو قرار سيادي واحد يعطي المرأة أحقية تمرير جنسيتها لأبنائها، وأعتقد أنّ هذا سيحدث قريباً في ظلّ التوجهات التي عززت من قيمة المرأة مثل السماح للمرأة بقيادة السيارة بعد منع استمر لعقود، والسماح لها بحرية السفر من دون إذن ولي الأمر”.
قصة عبد العزيز العنزي أكثر صعوبة. هو كويتي الجنسية مولود لأم سعودية طُلقت من زوجها، والد عبد العزيز، عندما كان طفلاً لتأخذه ويعيش معها في مدينة عرعر في أقصى الشمال السعودي، وبسبب عدم تسجيل والد عبد العزيز زواجه في السعودية، فإنّ السلطات السعودية تعامل والدته على أنّها غير متزوجة. يشرح عبد العزيز الصعوبات التي يواجهها في السعودية لـ”العربي الجديد” قائلاً: “لا أعاني من مشاكل مادية أو وظيفية، فأنا أعيش هنا كمواطن خليجي، مما يعني معاملتي مثل المواطن السعودي تقريباً، لكنّ والدي لم يوثق زواجه في السعودية، لذلك فإنّ والدتي غير متزوجة في السجلات السعودية، وفي أيّ معاملة حكومية لها لا يجري اعتباري ابناً لها، ما أدخلني في مشاكل كبيرة”. 
يروي عبد العزيز موقفاً صادفه قبل سنوات أثناء نشاط هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية)، إذ أوقفته سيارة تابعة للهيئة أثناء تجوله مع والدته وعندما طلبوا بطاقة الأسرة التي توضع فيها أسماء أفراد الأسرة ليتأكدوا من صلة القرابة بينه وبين والدته، أخبرهم بالقصة فلم يصدقوه وأحالوه إلى مخفر الشرطة مع والدته قبل أن يتيقنوا عبر اتصال بمسؤول أعلى منهم.الصورة

حظ سمية المنتصر، وهي خريجة دراسات إسلامية مولودة لأب مصري وأم سعودية، سيئ أيضاً، إذ تقول لـ”العربي الجديد”: “ولدت في هذا البلد قبل 27 عاماً ولم أسافر في حياتي، كما أنّ والدي لم يسافر إلى مصر منذ سنوات طويلة، وعلاقتي مع بلد والدي محصورة في جواز السفر الذي أملكه، وبالرغم من هذا فإنّ هناك رفضاً للاعتراف بي كسعودية”.
ومنذ دخول المرأة السعودية مجلس الشورى عام 2013 (وهو برلمان غير منتخب في السعودية) بدأت عضوات مجلس الشورى بطرح القضية بشكل رسمي داخل أروقة صناعة القرار، وهو ما جعله مثار جدال في ظل انقسام مجتمعي حقيقي. وقدمت عضوات مجلس الشورى السعودي مقترحاً بتجنيس أبناء السعوديات، لكنّ أعضاء مجلس الشورى لم يوافقوا، مما جعلهم يقدمون مقترحاً آخر ما زال قيد التداول، يعطي أبناء السعوديات إقامة دائمة من دون دفع رسوم أو البحث عن كفيل، كما يعطيهم بعض مميزات المواطن السعودي مثل التعليم المجاني والصحة وجواز سفر سعودي خاص.
وتقول الناشطة في حقوق المرأة داخل السعودية هدى المعلم، لـ”العربي الجديد”: “ليست لمجلس الشورى قيمة سياسية في اتخاذ القرارات، فمن يتخذها هو الملك وولي عهده، لكنّ السماح بطرح هذا الموضوع في مجلس الشورى والتصويت عليه، والسماح لوسائل الإعلام بتداوله والسماح بنقاشه على الملأ وفي العلن في ظلّ الظروف الحالية التي تتميز بالقمع واعتقال كلّ من يخالف الحكومة، فيه دلالة كبيرة على أنّ النظام السعودي سيقوم قريباً بتحسين أحوال أبناء السعوديات، لكنّ الموعد ما زال مجهولاً”. 
وترى المعلم أنّ النظام السعودي لن يقوم بهذه الإصلاحات في ما يخص أبناء السعوديات بسبب إيمانه بالمرأة السعودية أو بقيمة الفرد، إنّما سيقوم بها كجزء من حملات العلاقات العامة أمام العالم، خصوصاً أنّ السعودية بلد وقع على اتفاقية “سيداو” للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 2000، مع تحفظه بشأن ما يخالف الشريعة الإسلامية، كما أنّها اليوم من دول مجموعة العشرين التي تمرر النساء في دولها الجنسية لأبنائهن.المرأة

سعوديات يمارسن التدخين بعيداً عن أعين أسرهن

ويتفق ناصر الدوسري، وهو ناشط سعودي معارض، مع ما ذهبت إليه المعلم، إذ يقول لـ”العربي الجديد”: “هذه القضايا بالنسبة للنظام السعودي، ومحمد بن سلمان خصوصاً، مجرد بطاقات يستخدمها في ما بعد إذا غضب العالم الغربي منه، لذلك فمصير مئات الآلاف من أبناء السعوديات مرهون بخطأ قد يرتكبه النظام على الصعيد الحقوقي ويضطر لمداراته بقرار تمرير الجنسية لأبناء السعوديات أو تقديم تسهيلات كبيرة لهم”. لكن، في المجمل، يرى الدوسري أنّ الحلّ يبدو قريباً لأبناء السعوديات، وأبناء المواطنات في أيّ بلد: “العالم يسير في هذا الاتجاه، وبعد سنوات ستبدو فكرة عدم منح الجنسية لابن المواطنة فكرة سخيفة تماماً”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *