الرئيسية » المدونة » أردوغان: بائع الكعك الذي هزم العسكر

أردوغان: بائع الكعك الذي هزم العسكر

يستحق رجب طيب أردوغان ما كيل له من مديح، خصوصا ذلك الصادر عن الكتاب العرب المتخصصين في هجاء التيار الإسلامي. فهو قدم صورة مشرقة للنموذج الإسلامي القابل للتعدد والتنوع والتعايش والمتصالح مع العالم والعصر. وفي غضون المدح يقدح بالتيار الإسلامي العنيف والدموي والمتخلف، ويسقط (سهوا!) أي نقد للنظام السياسي العربي الذي أفرز كل الكوارث التي تكاد تودي بدول المنطقة.

بدورهم يمارس الإسلاميون دعاية على الجبهة الأخرى، حفاوة بالنصر التركي وكأننا في جيش محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية محققا نبوءة النبي، “نعم الأمير أميرها ونعم الجيش جيشها”، وتغييبا لدور النظام السياسي التركي الذي كفل على علاته آلية لتداول السلطة.

لو كان رجب طيب أردوغان في العالم العربي لما لبث في السجن بضعة اشهر فقط، ولحفظ لاسمه موقعا دائما في سجلات منظمة العفو الدولية ضمن قوائم معتقلي الرأي أو المفقودين. في النظام التركي الذي جعل من العلمانية الأتاتوركية معيارا صارما لدخول الحياة السياسية والبقاء فيها، سُلط عليهم سيف العسكر وسيف المحكمة الدستورية، لكن هامش الحركة ظل واسعا، يحل حزب فينشأ حزب آخر باسم آخر.

وعندما ضاق شيخ الحركة الإسلامية نجم الدين أربكان بطلابه وضاقوا به مكنهم النظام السياسي من تأسيس حزبهم “العدالة والتنمية”، وتمكن الحزب من اكتساح الانتخابات في أقل من عام. إنه النظام الذي مكن الشاب القادم من أصول متواضعة، لاعتلاء سدة بلدية اسطنبول ليقدم أنموذجا في الإدارة النظيفة أهلته من بعد لتولي منصب رئيس الوزراء. لنقرأ سيرة أردوغان، ولندقق إن كان في العالم العربي نظام سياسي يسمح لشاب مثله بالتقدم في الحياة العامة.

يقول الكاتب إبراهيم بوعزي في توثيقه لسيرة أردوغان المولود عام 1954م، في حي شعبي فقير بالجزء الأوروبي من إسطنبول. “كان أبوه عاملاً على ظهر سفينة تعمل في سواحل مدينة “ريزه” على البحر الأسود فعلّم ابنه الصبر ومكابدة الأمواج العاتية.

تلقّى رجب طيب تعليمه الابتدائي في مدرسة حكومية مع أبناء حارته في إسطنبول، فتعلم هناك اللهجة القاسية التي تظهر في تصريحاته وخطاباته الرسمية، ثم التحق بعد ذلك بـ”معهد الأئمة والخطباء”، لينهي المرحلة الثانوية بتفوق، وتعلم هناك الفقه والعقيدة والتجويد فتهذّب أسلوبه في الكلام والتفكير أكثر فأكثر.

وخلال دراسته الابتدائية أطلق عليه أستاذه اسم “الشيخ رجب”؛ ففي درس التربية الدينية سأل المدرّس التلاميذ عمّن يستطيع أداء الصلاة داخل الفصل ليتعلم منه بقية الطلبة، فرفع رجب يده ليكون قدوة لزملائه في أداء الصلاة، شكره المدرّس وفرش له صحيفة على الأرض ليصلي عليها، فما كان من “رجب” الصغير إلاّ أن رفض الصلاة على الصحيفة لما عليها من صور لنساء سافرات، دهش المدرس لموقف الصبي وأثنى عليه وأعجب بذكائه وورعه، وأطلق عليه لقب “الشيخ”، قبل أن يدخل ثانوية الأئمة والخطباء”.

في الثانوية، كان رجب “الطيب” يساعد أباه في إعالة إخوته؛ حيث كان يبيع نوعاً من الكعك معروفاً لدى الأتراك باسم “السميط”، كان يشتريه يابساً بارداً بسعر زهيد ليسخّنه في البيت على البخار حتّى يصير طرياًً مستساغاً، ثم يبيعه بسعر مناسب ينفقه على إخوته.

ولأنه من أصيلي البحر الأسود المعروفين بالمهارة في التجارة ولأنه تمرّس على العمل في سوق الحي، التحق وهو لم يتجاوز عقده الثاني بكلية الاقتصاد بجامعة مرمرة الحكومية، مع أبناء الطبقة الشعبية ليصقل موهبته التجارية من دون إهمال هوايته المفضلة كرة القدم، حيث مارسها منذ طفولته في ثلاثة فرق رياضية باسطنبول، ولمدة ناهزت العشر سنوات، إلى أن تخرّج في الجامعة والتحق بالخدمة العسكرية كضابط احتياط.

وقبل أن يلتحق بالمعترك السياسي في السبعينيات من القرن الماضي عمل أردوغان مستشاراً مالياً لبعض الشركات الخاصة ومديراً لعدد من المؤسسات المالية.

يفرز النظام السياسي التركي أردوغان وأربكان؛ فماذا تنتج الأنظمة السياسية العربية؟

yaser.hilal@alghad.jo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *