الرئيسية » المدونة » أن تكون أبا في الأربعين

أن تكون أبا في الأربعين

يحتدم النقاش في الغرب حول إجازة الأبوة، فمع إقرارهم مبدئيا بحق الأب بإجازة مثل الأم في إجازة الأمومة، إلا أن اعتبارات قوانين العمل يتداخل بها الاقتصادي مع الإنساني، حتى توني بلير عندما كان رئيسا للوزراء ورزق بابنه الرابع أخذ إجازة أبوَة. وفي الدانمارك تمتد إجازة الأبوة إلى شهرين.

يحضرني هذا النقاش وقد غدوت أبا في الأربعين، في مجتمعات يبدو فيها طلب إجازة الأبوَة ضربا من خفة الدم. لا ضير فالولايات المتحدة الأميركية ليست من بين 65 بلدا يمنحون هذا النوع من الإجازات. وفي النهاية تظل العلاقات الإنسانية فوق أي قانون ولا تحتاج إلى تشريع، فالمشاعر “هي أشياء لا تشترى”.

كنت قد أمضيت ساعات في الدوحة، قبل أن تتصل زوجتي بعد منتصف الليل، أدركت أن “هديل” قد فعلتها وجاءت مبكرة عن موعدها. أعرف أني لا أستطيع أن أقدم أو أؤخر لكن لا يوجد أجمل من سماع صراخها مبشرا بالحياة. ومع أن تقنية التصوير ثلاثي الأبعاد أفقدت الولادة مفاجأتها إلا أن لبشارة الممرضة مهدئة من روع مقدم الأنثى “مبروك إجتك عروس” لها وقعها.

ما تزال رواسب الثقافة المعادية للأنثى عالقة في عقولنا. فتجهد في إقناع الناس أن البنات زينة مثل الأولاد. هذه من سلبيات مجتمعاتنا، في المقابل يوجد الكثير من الإيجابيات على مستوى العلاقات الأسرية، فعندما كنت بعيدا في الدوحة لم أكن معولا على شركة التأمين الصحي وكفاية المستشفيات بقدر تعويلك على وقوف العائلة الممتدة من الجانبين أما وأبا.

لم أنم ليلتها حتى بعد أن بشرت بسلامة الوالدة والمولودة، في ساعات الصباح الأولى تفاءلت بالحمام على شرفة شيراتون الدوحة، وفي هديله بشارة سلام وسكينة، طرت إلى عمان سريعا، ما إن وصلت مطار عمان حتى انهمرت الاتصالات حول الحكومة الجديدة التي كنت في شغل عنها. وحقيقة أجزت نفسي بنفسي ومالي ولهذا التغيير؟

أن تكون أبا يعني أنك شريك، فالأولاد ليسوا عبئا يلقى في وجه الأم، فالاحتياجات المادية  من واجب الأب ومن واجب الدولة (الصحة التعليم) أو بالشراكة، لكن الاحتياجات العاطفية والنفسية التي لا تقل أهمية عن المادية هي بالدرجة الأولى من واجبات الأب والأم. وفي مجتمعاتنا حيث الأسر الممتدة، يزداد حضور الجد والجدة والعم والعمة والخال والخالة من اقترب منهم ومن بعد.

تبدأ حقوق الطفل في ثقافتنا الإسلامية بحق تسميته، وإضافة إلى معنى هديل الجميل فالاسم تأس باسم “هديل الحضيف” واحدة من رائدات التدوين والإعلام الحديث  في العالم العربي رحلت عن 25 عاما. وقد تمكنت في فترة قياسية من أن تحدث أثرا في مجتمعها السعودي والعربي بعامة على صعوبة وضع المرأة فيه. 

تحتاج “هديل” إلى أن تنمو في مجتمع تملؤه مشاعر المحبة، ولا يكفي أن تكون هذه المشاعر في الأسرة الصغيرة وحدها. تماما كما تحتاج إلى مجتمع يراعي حقوقها بدءا من إجازة الأبوَة. وفي المقال دليل على أني لم أستمتع بها !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *