الرئيسية » المدونة » أين تذهب بعائلتك في الصيف ؟

أين تذهب بعائلتك في الصيف ؟

 ليس مطلوبا من البشر أن يكونوا مشاريع استشهادية. في رواية “بجعات برية” تعتبر الحياة العائلية البسيطة خيانة للحزب الشيوعي الصيني، فهي تقديم للخاص على العام. والرواية للكاتبة البريطانية صينية الأصل يونج تشانغ تعبر عن كارثة في النفس الإنسانية، فالشوق للكمال قد يحول الإنسان إلى وحش قاس، هذا ما حدث في الصين الشيوعية. قتل عشرون مليون شخص من أجل أن تكون الصين المنتج الأول للفولاذ في العالم.
   في داخلنا بجعات برية، يعتقد كثيرون، أن انصرافهم للحياة الطبيعية خيانة. فالفساد والاستبداد والاحتلال وغيرها من نوازل حلت بالأمة تتطلب تجنيد الجميع في معسكر جماعي للنهوض. وكثيرون أيضا يعتقدون أن واجبهم تجاه عوائلهم هو تأمين أعلى دخل ممكن، وتلبية ضرورات حياتهم من صحة وتعليم ومسكن. وأن الترفيه ضرب من إضاعة الوقت والإفساد. وهذا بالنتيجة يحول الأب والأم إلى مجرد محفظة نقود.
     في الصيف تستطيع أي عائلة، أن تجد حيزا ترفيهيا. يمكن أن تضع كل عائلة خطة ترفيهية للصيف. وقد تكون بموازنة صفر. فالأطفال، يحتاجون قضاء وقت مع الأب والأم أكثر مما يحتاجون إنفاقا عليهم.
   في طفولتنا كانت معان المكان الأكثر روعة في عطلة الصيف، لا تغيب عن مخيلتي أشياء بسيطة لم تكن مشاهدة في جبل الحسين في عمان الغربية.  كنا نصنع من علب زيت السيارات المستطيلة شاحنات مقطورة، وتجر على التربة الصحراوية محدثة عواصف رملية بعد تحميلها بالتراب. ويوما ربينا حملا فغدا كبشا عظيما، وكنا نسرح ونصنع الشاي على الحطب. وكنا نستمتع بزيارة القبور وتتبع شواهدها، وكان غدير معان الشامية يشبه شلالات النياجرا. ولم تكن الحال مختلفة في بيت جدي في جبل الحسين القديم، كان تصنيع الطائرات الورقية عملية بالغة التعقيد يتقنها عمار الذي يكبرني وأنا بالكاد أعرف أن أطيرها.
    توجد مساحات واسعة لمن أراد استغلال الصيف بإمكانات بسيطة سواء للأطفال أم الفتية والمراهقين. وبالنسبة للفتية فإن العمل يؤسس لشخصية جادة ومسؤولة وينمي كثيرا من القيم الإيجابية ويؤمن متطلبات مادية قد يعجز عنها الأب. والتخييم كذلك. وهذا يظل أفضل كثيرا من نصب الأراجيل في البيت المكتظ أو في الطريق العام.
     تحضرني هنا قصة من التراث العائلي. فقد كانت وزارة الأشغال تستخدم عمالا بالمياومة ومنهم طلبة في فتح الطرق ضمن ما يسمى “النافعة”، وكان الفتى هارون ممن اشتغلوا في الصيف. فشقي بشق الطريق، وبعد أن تجمع حسابه الذي وصل نحو عشرة دنانير أعطى الوصولات لوالده، ليقوم بصرفها وإعطائه ما يستحق لعامه الدراسي الجديد، فما كان من الوالد إلا أن أنفق المال كله على وليمة كبرى! في العام الدراسي الجديد دخل الفتى صفه خالي الوفاض، وعندما وصل وفد من القوات المسلحة يعرض التطوع في الجيش كان أول المتطوعين احتجاجا على تبديد مدخراته.
 قبل الثورة السورية كان لدينا نصف مليون سوري، ليس فيهم عاطل عن العمل، هؤلاء وبينهم أطفال يعملون في قطاع الإنشاءات والزراعة والمطاعم وغيرها. وهذا الشعب الشغيل لم يمنعه الشغل من تسطير صفحات ملحمة الثورة السورية.
   قصارى القول، لا نحتاج بجعات برية تنتج الفولاذ في عطلة الصيف. نحتاج شعورا بالمسؤولية تجاه العائلة. فتحويل العطلة إلى وقت للخمول والبطالة والمشاكل مسؤولية الفرد قبل أن تكون مسؤولية المجتمع والدولة.
     نحتاج خبراء نفسيين لدراسة تأثير المشاهد المروعة على الأطفال، وكيف نتعامل معها. أطفالنا دون أطفال العالم فتحوا أعينهم علي مشاهد محمد الدرة، وأطفال قانا، وأطفال العراق، وأطفال غزة، وأخيرا أطفال سورية من حمزة الخطيب إلى أطفال الحولة. المسألة ببساطة أن هؤلاء الأطفال حرموا من طفولتهم، بفعل طغاة يفتقرون للإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *