الرئيسية » المدونة » إنه درب الآلام الطويل لشباب مصر

إنه درب الآلام الطويل لشباب مصر

“ليلى مش حينفع تبقى معانا في الحضانة عشان خاطر باباها”.. الوحش الذي يطارد ليلى أحمد وهدان أسوأ من ذئب ليلى في قصص الأطفال. إنه مديرٌ في مدرسة إدارة التوحش، متفوق على الدواعش جميعا. والدها أعدم أمس، وكانت في بطن أمها جنينا عندما اختفى قسريا بعد زواجه بخمسة أشهر. لم يكتف الوحش بالتهام والدها الشاب، نجح في تجريمها، بحيث لا تجد حضانةً تستقبلها، مجدّدا سيرة فرعون في تقتيل الأطفال.
هذه عيّنة تفسّر كيف يحكم رؤساء التوحش.. يواصل عبد الفتاح السيسي نجاحاته المعتمدة على صناعة الفتنة بين مكونات المجتمع، وإغراء بعضهم بسفك دماء بعض؛ فما كان انقلابه لينجح لولا الاستقطاب المجتمع الحاد، الذي شيطن المختلف الذي ينافس وفق قواعد الدستور. وجرّدهم من إنسانيتهم، بالتعاون مع آلةٍ جهنميةٍ من الأمن والعسكر ورجال الدين والإعلام، يلتقي فيها إعلامي ساقط مثل عمرو أديب مع رجل دين وضيع مثل علي جمعة. .. تخيّل أن مفتيا يقول عن بشر إن “رائحتهم نتنة”، وما قاله عن الإخوان المسلمين لم يقله الإعلام النازي عن اليهود.
إعدامات أمس تسعةً من خيرة شباب مصر تذكّر بمن سلفهم وسالت دماؤهم في ميدان التحرير، مع فرق بسيط، وهو أن السيسي كان مختبئا في مكتبه يُصدر أوامر القتل بسريّة، ويُنكر قتلهم، ويلقي باللائمة على أطرافٍ مجهولة. وتذكّر أيضا بقتل شباب الأقباط في “ماسبيرو” وشباب شارع محمد محمود، وميدان رابعة والحرس الجمهوري وغيرهم.. اليوم يخرج على قومه بزينته متباهيا بقتلهم، منفذا وعده يوم قتل النائب العام بالعدالة “الناجزة”، وما هي إلا تعبير غبي عن حكم المافيا التي تقتل وفق تقديرات زعيمها.
بدماء هؤلاء تكتب التعديلات الدستورية، ليس لبقاء السيسي مدى الحياة فحسب، بل لتحويل مصر جمهوريةً وراثيةً له ولأسرته. ليس دماء “الإخوان” والمعارضين فقط. في سيناء مجزرة أخرى تتواصل على يد “داعش”، الشريك الاستراتيجي له، فهو بحاجة لقتل المزيد من الضباط والجنود والأهالي لينال شرعية محاربة الإرهاب. وتلك الشراكة تفتح له أبواب الشراكة مع نتنياهو الذي صارت سيناء مفتوحةً لطيرانه الذي يطارد”الإرهابيين”، وصار اختطاف عناصر من حركة حماس، ومن قادتهم، على الحدود متطلبا لتلك الشراكة.
توهمنا، كما الملايين في العالم العربي، أن ثورة يناير 18 يوما. وبعدها يتحول أكبر بلد عربي إلى نموذج في الحكم الديمقراطي. تلك كانت طيبةً تعكس حسن ظنوننا، والواقع غير ذلك، فالطريق أطول، وأكثر وعورةً، مما توهمنا، والتضحيات على درب الآلام المديد لم تكن كافية، والطغاة أكثر إجراما مما توقعنا، وأكثر خداعا وكذبا. لم يكن ميدان التحرير غير محطةٍ في الطريق، والخسائر لم تكن فقط في أرواح الشهداء الذين رحلوا، ولا في عذابات السجناء والمنفيين والملاحقين، كانت الخسارة الكبرى في من وهنوا وجبنوا والتحقوا بمعسكر الطاغية رهبا ورغبا. وساهموا ويساهمون في صناعة الاستقطاب والتحريض المباشر وغير المباشر على من شاركوهم ثورة يناير.
تجسّد ليلى أطفال مصر الذين لا يجدون حضانةً، وهي محظوظة أنها من عائلةٍ متعلمةٍ من الطبقة الوسطى، وستنشأ على سيرة أبيها وستحضنه قبل أن تنام، وستجد رعايةً وعنايةً، كأن والدها لم يُعدم، لكن ملايين أطفال مصر في أحضان ذئبٍ لا يرحم، تركهم للجهل والمرض والفقر والقمع. من أجلهم، خاض شباب 25 يناير الثورة، ونجحوا في جولةٍ وهزموا في أخرى. وثمّة من يستعدّ لجولةٍ أخرى. ليس انتقاما لدماء والد ليلى، ولكن من أجل ليلى وجيلها الذي يستحقّ مستقبلا أفضل. هؤلاء الشباب الذين علّقوا على أعواد المشانق هم أجمل ما في مصر علما وخلقا وصفاء ونقاء، هم “الورد اللّي فتّح في جناين مصر” حقا، وبتضحياتهم تتواصل ثورة يناير التي توهمنا أنها 18 يوما، رحلوا مستبشرين بالذين لم يلحقوا بهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *