الرئيسية » المدونة » ابن رشد ونظام البكالوريا بالعربية

ابن رشد ونظام البكالوريا بالعربية

عندما حصلت أكاديمية ابن رشد على الاعتماد من منظمة البكالوريا الدولية، كانت أول مدرسة تحصل على هذا الاعتماد في الأردن للمرحلة الابتدائية، فيما باقي المدارس مرشحة للاعتماد ولم تعتمد بعد. وليست هذه المفاجأة، المفاجئ أنها أول مدرسة في العالم تعتمد لتدريس نظام البكالوريا باللغة العربية.
للأسف، يشكل العالم العربي سابقة على مستوى العالم في ازدراء لغته؛ فلا تشترط المنظمة التدريس باللغة الإنجليزية، بل هي تقدم نظاما تعليميا قابلا للتطبيق بلغات العالم. وفي دراسات منظمة “اليونسكو”، ثبت أن تحصيل الطلبة، وفي المواد العلمية، عندما يدرسون بلغاتهم أفضل ممن يدرسون بلغة ثانية.
لم يحقق بلد نهضته لأنه نبذ اللغة الأم، بل جوهر النهضة هو إحياء اللغة، وعلى قول درويش في الصهاينة “هم أحيوا لغة ميتة ونحن أمتنا لغة حية”. وهذا لا يقلل من أهمية تعلم اللغة الإنجليزية. وعلميا، من لا يتقن لغته الأم لا يتقن اللغات الأخرى. والتعليم الهجين العشوائي في بلادنا أنتج جيلا لا يحسن لغته ولا اللغة الإنجليزية، وأحدث شقاقا بين مجتمعين: من لا يتكلم العربية في بلده، ومن لا يتكلم الإنجليزية لتربطه بالعالم.
ابن رشد تجربة أردنية بمبادرة من الخبير التربوي فؤاد مجدلاوي. وكانت مغامرة لا يقتنع كثيرون بإمكانية نجاحها. وقوتها أنها تقدم نموذجا قابلا للاقتداء في الأردن وخارجه. في الخليج، حدثت كوارث تربوية بسبب الوفرة النقدية التي مكنتهم من استيراد المدارس، كما تستورد السيارات.
اللغة الأم، بعيدا عن الشوفينية والأدلجة، حقيقة علمية. ونحن في الأردن نعيش حالة فوضى نتيجة الهوس بالتعليم الدولي، ورداءة التعليم المحلي. إننا نستطيع أن نطور نظامنا التعليمي بشكل يخدم عقل الطفل وبناءه النفسي من خلال احترام لغته الأم، ويحقق الانتماء لمحيطه الثقافي والحضاري والاجتماعي. وهذا لن يتحقق بدون اللغة العربية.
أشاهد متدينين لا يتقن أولادهم العربية، وهي لغة القرآن. وأشاهد قوميين لا يعرف أولادهم قراءة بيت شعر، تماما كالليبراليين الذين يقدسون الفردية والخصوصية ويحافظون على الحشرات التي تواجه خطر الانقراض ولا يحرصون على لغة تواجه هذا الخطر! وتجده يحدثك عن حب الأردن والانتماء والولاء وهو لا يعرف لغة الأردنيين. من يحب الأردن عليه أن يتقن لغته في التاريخ والحضارة والدستور أيضا. ولا نعيد اكتشاف العجلة، لدينا نموذج معترف به عالميا ويمكن تعميمه أردنيا وعربيا.
لا نحتاج افتعال معارك أيديولوجية حول التعليم باللغة العربية، نحتاج ضبط حال الفوضى الراهنة التي تنتج جيلا مشتتا لغويا وعلميا. توجد كثير من التجارب العالمية الناجحة، ليس منها تجربة تقوم على أساس القضاء على اللغة الأم. ولا يوجد أحد لديه موقف معاد من اللغة الإنجليزية، لكن يوجد في المقابل مواقف معادية للغة العربية، ليس جريا وراء نظرية المؤامرة، لكن ثمة من يعتقد بحسن نية أن اللحاق بركب العلم والحضارة يتطلب القطيعة مع العربية، وثمة فئة مزدرية لذاتها ومتنكرة لهويتها تريد القضاء على مقوم أساسي من مقومات الهوية الثقافية للأمة، وهي ترى أن القضاء على اللغة كفيل بتذويب القيم العربية والإسلامية.
لا خوف على اللغة العربية الخوف على أبنائنا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *