الرئيسية » المدونة » الأعشاب الضارة في الربيع الأردني

الأعشاب الضارة في الربيع الأردني

أحمد الله أني عشت لأرى الربيع العربي عيانا لا سماعا، وقد قيل ليس من رأى كمن سمع. وبعيدا عن السجال الفكري والسياسي، أقول إني مدين لهؤلاء الشباب صانعي الربيع شخصيا. أنظر إلى كتاباتي وعملي قبل الربيع وبعده، فأرى سقفا لم أكن أحلم به. والباحث في الصحافة الأردنية والعربية عموما يصدم من ارتفاع السقف وتغير اللغة بعد 14 كانون الثاني (يناير) 2011. فوق ذلك، صار لأطفالنا نموذج محترم يقتدون به.
باختصار، أعرف شابا في تونس اسمه حمدة قشتالي أتمنى أن يكون ابني علي مثله. وأعرف شابة في اليمن اسمها توكل كرمان أتمنى أن تكون بناتي الأربع مثلها. ثمة ملايين لا أعرفهم لكنهم غدوا قدوة وأنموذجا للعالم في إنسانيتهم ومثاليتهم وذكائهم وأخلاقهم وجرأتهم. حمدة تحايل على والده هو وشقيقه ياسين الطالب في كلية الطب حتى يبقيا في نهج (طريق) بورقيبة. كان الوالد يخشى أن يفقدهما برصاص قناص، لكن شجاعتهما هزمت القناص ومن وراءه. توكل لم تقبل بدور أم مسؤولة عن عائلة صغيرة، بل وسعت أمومتها لتشمل بلدها، ووجدت السند من الزوج والأب والابن في مجتمع يراد له أن يغرق في التخلف. هل تكفي هذه النماذج، أم نستدعي وائل غنيم وطل الملوحي و…؟ هذا ربيعنا، واهنؤوا ببلطجيتكم ومؤامراتكم.
في الأردن، كشف الربيع العربي عن أجمل ما فينا، تماما كما أخرج أقبح ما عندنا. لكن ذلك القبح ما هو إلا الأعشاب الضارة التي تنمو بموازاة الورود، وفي المشهد العام الاخضرار سيد اللوحة. وعن قرب تستطيع أن تميز بينهما. ظاهرة البلطجة، بأفرادها والمنظرين لها، لا تعكر صفو المشهد، غير أنها في التفاصيل مؤلمة وتتطلب “تعشيبها” حرصا على الورود.
في المادة التي نشرها الزميل تامر الصمادي في “الحياة” اللندنية، نرى كيف وحّد الربيع الأردني بين ابن مخيم البقعة جلال الأشقر وابن بني حسن معاذ الخوالدة. وكلاهما دفع ثمن البلطجة، على فترات متباعدة. الأول رصاصة في العمود الفقري، والثاني كسران في الجمجمة. وأحسب أن على كل مسؤول ومعارض أن يقرأ تلك المادة التي يتحدث فيها البلطجية أيضا. حتى الآن لم تخرج الرصاصة من جسد الأشقر، ولم تخرج علينا نتائج التحقيق. في المقابل، عندما يحتج شباب الإخوان في مظاهرة سلمية تخرج التحقيقات فورا حول ميلشيات للإخوان. أما من يطلق الرصاص، ومن يشعل الحرائق على مرأى الشرطة والدرك ويوثق ذلك بالصوت والصورة، فلا أحد يحقق ولا أحد يحاسب.
في العام الجديد لن تخطف المشهد الأعشاب الضارة ولا من يزرعها ولا من يسقيها. سنظل نحتفل بالربيع، وسيبلغ الإصلاح مداه. وهنا نتحدث عن إصلاح بلا دماء ولا حرائق. وعلى من ينظرون للبلطجة من يمينيين وعنصريين أن يتذكروا كيف رفعت أفعالهم سقف المطالب وسقف التعبير في آن. لا قوة تستطيع معاندة حركة التاريخ، لقد انتهت اللعبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *