الرئيسية » المدونة » الأممية الثورية في سورية

الأممية الثورية في سورية

حذر الكثيرون منذ بداية تسلح الثورة السورية من دخول المجاهدين إلى سورية؛ فذلك على نبل قصد المتطوعين وحسن نواياهم، يشكل خدمة كبرى لنظام السفاح. فهو ما انفك يردد أساطير “الجماعات الإرهابية القادمة من وراء الحدود”، واستخدمها فزاعة لإخافة المواطن السوري والدول المجاورة، وقبل ذلك وفوقه أميركا وإسرائيل. ولا أميل إلى نظرية المؤامرة بأن النظام استفاد من علاقاته السابقة مع الجماعات الجهادية في العراق وورطها وسهل دخولها إلى بعض المناطق. وأميل إلى أن الحماسة الحقيقية، وانهيار الأوضاع الأمنية، ووجود الحاضنة الاجتماعية، هي ما سهل دخولهم.
بالنتيجة، استفاد النظام أيما فائدة من وجود المجاهدين العرب الذين دخلوا الساحة متأخرين، وصاروا عقبة أساسية في وجه التسليح النوعي للجيش الحر، وتحديدا مضادات الطيران والدورع. فأميركا تخشى أن توجه تلك الأسلحة إلى إسرائيل. والمفارقة أن ثقة إسرائيل وأميركا بالنظام السوري تجعلهما تقبلان بوجود كل أنواع السلاح لديه، حتى الكيماوي. وشغلهما الشاغل اليوم هو تأمينه في حال سقوط النظام، أي أنهما تثقان ببشار ولا تثقان ببديله.
في المقابل، ثمة وجه مشرق للأممية الثورية. واليوم، بعد أن أصبح الجيش الحر يمتلك زمام المبادرة ويسيطر على معظم حلب، يمكن القول إن ثمة مناضلين يتحركون بإخلاص وفق بوصلة إيمانهم، ويدفعون حياتهم ثمنا لذلك. تذكر سورية اليوم بإسبانيا أيام الحرب الأهلية؛ إذ تطوع كثير من اليسار العالمي في الحرب ضد الجنرال فرانكو (وهو قديس مقارنة بالسفاح بشار). وكان الروائي العالمي إرنيست هيمنغواي واحدا من أولئك، وألهمته تلك الحرب رائعة “لمن تقرع الأجراس”. وبالمناسبة، لقي اليسار الأميركي عنت الأجهزة الأمنية عندما عاد متهما بالإرهاب والشيوعية.
الأممية الثورية اليوم إسلامية. لا نجد عالميا غيفارا ولا هيمنغواي، المسلمون والعرب خصوصا هم من لا يعترفون بالحدود. وقد احتفى العالم بالأممية الثورية في حرب أفغانستان الأولى، وكان الإعلام الغربي يصف المجاهدين العرب بأبطال الحرية، ولم ينقلب عليهم إلا بعد نهاية الحرب الأفغانية. وليس صحيحا أن تلك الأممية هي ما عرف لاحقا بـ”القاعدة”، فقد كان المجاهدون جزءا من سياق عربي وإسلامي يقاتلون في إطار القانون الدولي. حتى أسامة بن لادن نفسه لم يكن يغادر السعودية بدون إذن ولي الأمر، حتى حرب الخليج الثانية. وتكررت تلك الحالة في حرب البوسنة.
حتى الآن، تبدو تجربة الجهاد العالمي في سورية مطمئنة، وهي أقرب إلى النموذجين الأفغاني والبوسني منها إلى النموذج العراقي؛ فهي تأتي في مناخ عالمي متعاطف مع الشعب السوري، وفي ظل تحييد الأميركيين والإسرائيليين. صحيح أن النظام حارس أمين على الحدود في الجولان، وحزب الله حارس عليها في لبنان، لكن لم نشهد محاولات استهداف لا لقوات إسرائيلية ولا لقوات دولية أو سفارات غربية، والأهم من ذلك استهداف مدنيين في الحسينيات والكنائس والأسواق.
على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تفاجئك صور لمجاهدين كويتيين وسعوديين وأردنيين. وأطرف ما شاهدت مجاهد خرج من غزة وقتل في سورية. والليبيون الذين انتصروا على نظام القذافي لم يتنعموا بالنفط، بل واصلوا درب القتال في سورية.. بوصلة أولئك هي الحرية. والسوريون المتطوعون لا يقلون أهمية، تجد فتاة سورية كانت تدرس في كندا تطوعت في الجيش الحر، وآخر كان يدرس الطب في ألمانيا وترك دراسته ليقتل في حلب.
يؤمل أن يكون الجهاديون قد استفادوا من الدرس العراقي. ومنذ انطلاقة الربيع العربي، يلاحظ أنهم وعوا الدرس وابتعدوا عن الإرهاب. وعلى العموم، وفي أسوأ أخطائهم، لا يقارنون بإرهاب النظام وإجرامه. والنظام عندما سمح لإيران وحزب الله وروسيا بالمشاركة في القتال معه، عليه أن يقبل بالضيوف من العالم كله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *