الرئيسية » المدونة » الأميركان يعزلون ماكرون وداعش يدعمه

الأميركان يعزلون ماكرون وداعش يدعمه

يدين الرئيس الفرنسي، ماكرون، لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في تحويله من سياسي إلى “فيلسوف”، لا يتوقف عن التنظير في مفاهيم العلمانية وحرية التعبير، وتجاوز ذلك إلى التنطّع مجتهداً ومصلحاً لـ”الإسلام المأزوم”، وكسر انعزالية المسلمين في فرنسا بعامة، والغرب بخاصة. فتصرفات “داعش” وتنظيراته الهمجية، غيّرت المزاج الليبرالي والديموقراطي الغربي، المؤمن بالتنوع والتعدّدية، والذي يكنّ احتراماً للعرب والمسلمين، ويستشعر حجم المسؤولية التاريخية للاستعمار وجرائمه، إلى مزاج مرعوب يفكر بعصبية وعنصرية، يخشى على أمنه الشخصي ونمط حياته وهوية بلاده وثقافتها.
“ولو أن ترضخه بحجر”… كان هذا ما خلص إليه الناطق باسم “داعش”، أبو محمد العدناني، في تحريضه المسلمين في الغرب على مجتمعاتهم، فمن عجز عن التفجير وإطلاق الرصاص والذبح والدهس، ولم يبق عنده إلا حجرٌ فليلقِه على من صادفه من “كفار”. لم يكن الوضع قبل “داعش” بهذا السوء، كانت مجتمعات غربية كثيرة قد بدأت تلتئم جراحها من تفجيرات لندن ومدريد و”11 سبتمبر”، وبدا الغرب يستشعر النتائج الكارثية لردة الفعل على أفعال “القاعدة” من خلال غزو أفغانستان والعراق.

الرئيس النزق حذف أكثر من ثلاثة مقالات عن شبكة الإنترنت من صحف عريقة، كفايننشال تايمز، لأنها أساءت إليه

حسناً فعلت حملات مقاطعة البضائع الفرنسية، واستشعر ماكرون الخطر الاقتصادي المحدق إن استمرّت، وحاول أن ينزل عن الشجرة، لكن ذلك وحده لم يكن كافياً. ظل خطابه معزولاً في أوساط النخب الغربية، وخصوصاً الأميركية. واستخدم طريقة ترامب في إلقاء اللائمة على الإعلام الأميركي الذي وقف بوجهه بشكل مُجيد. قبلها كانت تقارير منظمة العفو الدولية تجلد فيه، وكشفت كيف يحاكِم من يحرقون دمية ماكرون، وفي المقابل يصرّ على نشر رسومات مهينة للمسلمين باسم حرية التعبير. وتبين أن الرئيس النزق حذف أكثر من ثلاثة مقالات عن شبكة الإنترنت من صحف عريقة، كفايننشال تايمز، لأنها أساءت إليه.
ماكرون معزول ليس بسبب الحملة العربية والإسلامية عليه، بل بفضل التيار العريض الواسع في الغرب الذي يكنّ احتراماً للإسلام وثقافة التنوع على السواء. الإعلام الأميركي كان رأس حربة في مواجهة ماكرون، ودخل الكتّاب والصحافيون الأميركيون في سجالاتٍ عنيفة معه، وفي مقدمتهم مؤسّس موقع بزفيد والكاتب في صحيفة نيويورك تايمز، بن سميث. ومراسل “واشنطن بوست” في باريس، جيمس ماكولي، والكاتبة في “نيويوركر”، لورين كولينز، التي هاجمت ماكرون بضراوة في سلسلة تغريداتٍ على منصة “تويتر”. وبّخته دفاعاً عن زملائها الصحافيين الأميركيين الذين اتهمهم بعدم فهم العلمانية الفرنسية، “ما يفعلونه هم والمراسلون الأميركيون الآخرون في فرنسا هو الإشارة إلى الفجوة بين المثالية اللائكية وممارستها المسيّسة بشكل متكرر. إنهم يرون نفاقاً، أو نقطة عمياء، لذا فإنهم ينقضون عليها، وهذا ما يفعله الصحافيون”. وترد على تصريحات ماكرون: “في مجتمعنا، لا يهمني ما إذا كان شخص ما أسود أو أصفر أو أبيض، كاثوليكياً كان أو مسلماً، فالشخص أولاً وقبل كل شيء مواطن”. بينما يتساءل المراسل الصحافي الأميركي: كيف يمكن أن يكون هذا صحيحاً عندما يكون الشخص الأسود أو العربي في فرنسا أكثر عرضة 20 مرة لإيقاف الشرطة؟”. أما “نيويورك تايمز”، فعنونت “الرئيس مقابل وسائل الإعلام الأميركية” بعد الهجمات الإرهابية، يتهم الزعيم الفرنسي وسائل الإعلام الناطقة باللغة الإنكليزية بـ”إضفاء الشرعية على هذا العنف”.

ماكرون معزول ليس بسبب الحملة العربية والإسلامية عليه، بل بفضل التيار العريض الواسع في الغرب الذي يكنّ احتراماً للإسلام وثقافة التنوع على السواء

بلغة حادّة، سخر بن سميث من اتهامات ماكرون بـ”انحيازنا”، وهوسنا بالعنصرية، ووجهات نظرنا حول الإرهاب، وتردّدنا في التعبير عن تضامننا، ولو لحظة، مع جمهوريته “المحاصرة”. يقول بن سميث: “اتصل بي الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وجادل بأن الصحافة الأنجلو أميركية، كما يشار إليها غالباً في بلاده، ألقت باللوم على فرنسا، بدلاً من أولئك الذين ارتكبوا سلسلة من الهجمات الإرهابية القاتلة”. وعاتب الصحافة، قائلاً: “لذلك، عندما أرى، في هذا السياق، صحفاً عديدة أنها من دول تشاركنا قيمنا، وصحافيين يكتبون في بلد هو وريث التنوير والثورة الفرنسية، عندما أراهم يشرعون هذا العنف، بالقول إن جوهر المشكلة أن فرنسا عنصرية ومعادية للإسلام، ثم أقول إن المبادئ التأسيسية قد فقدت”. رد الكاتب على اتهامات ماكرون، قائلاً: “إضفاء الشرعية على العنف، هذه تهمة خطيرة بقدر ما يمكنك توجيهها ضد وسائل الإعلام. وهذا النوع من الأقوال التي اعتدنا سماعها (وتجاهلها) من الرئيس الأميركي. والأميركيون الذين تصرّفوا بشكل مفهوم، بسبب الهلوسة في الأيام الأخيرة لرئاسة ترامب، فاتهم الصراع المتصاعد بين النخبة الفرنسية ووسائل الإعلام الناطقة بالإنكليزية”.
كان ماكرون غاضباً بشكل خاص من مقال رأي في صحيفة فاينانشال تايمز، في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، “حرب ماكرون على الانفصالية الإسلامية تقسّم فرنسا أكثر”، الذي يعتبر أن ماكرون كان ينفّر الأغلبية المسلمة التي تكره الإرهاب أيضاً، وأنه كان يهاجم “الانفصالية الإسلامية”، في حين أنه، في الواقع، كان يستخدم كلمة “إسلامي”. يقول منتقدوه إنه يخلط بين الالتزام الديني والتطرّف.
قال ماكرون لبن سميث: “أكره أن يجري تصويري بكلمات ليست كلماتي”. وبعد موجة من الشكاوى من القراء ومكالمة غاضبة من مكتب ماكرون، أزالت “فاينانشال تايمز” المقال من الإنترنت، بطلب من المتحدثة باسمه، كريستينا إريكسون التي قالت إنها لا تستطيع أن تتذكر المنشور من قبل. وفي اليوم التالي، نشرت الصحيفة رسالة من ماكرون يهاجم المادة المحذوفة.
في أواخر الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الثاني)، حذفت “بوليتيكو أوروبا” أيضاً مقالة افتتاحية بعنوان “الدين الفرنسي الخطير للعلمانية”، كانت قد طُلبت من عالم اجتماع فرنسي. أثار المقال عاصفةً نارية من النقاد الذين قالوا إن الكاتب يلوم ضحايا الإرهاب. لكن الحذف المتسرع دفع الكاتب إلى الشكوى من “الرقابة الكاملة”. قال رئيس تحرير “بوليتيكو أوروبا”، ستيفن براون، إن توقيت نشر المقال بعد قتل المعلم الفرنسي، كان غير مناسب، لكنه اعتذر للكاتب عن حذفه من دون تفسير. لم يذكر أي أخطاء محدّدة. كذلك قال إنها المرة الأولى التي تزيل فيها “بوليتيكو” مقال رأي.

 حذفت “بوليتيكو أوروبا” مقالة افتتاحية بعنوان “الدين الفرنسي الخطير للعلمانية”

لكن الشكاوى الفرنسية تتجاوز مقالات الرأي تلك والصحافة الدقيقة التي تشكك في سياسة الحكومة. أثار تحليل متشكك في “واشنطن بوست” من مراسلها في باريس، جيمس ماكولي، “بدلاً من محاربة العنصرية النظامية، تريد فرنسا إصلاح الإسلام”، اعتراضاتٍ على فكرة أنه “بدلاً من معالجة اغتراب المسلمين الفرنسيين، تهدف الحكومة الفرنسية إلى التأثير في ممارسة عقيدة عمرها 1400 عام”. ولفتت صحيفة نيويورك تايمز إلى تناقض بين رد الفعل الأيدويلوجي لماكرون والحديث التصالحي للمستشار النمساوي، سباستيان كورتيس، بعد هجوم إرهابي في فيينا، وأشار إلى أن التعامل مع الشبان المنعزلين الذين ينفذون الهجمات لا يتناسب مع تركيز الحكومة على الشبكات المتطرّفة. وتساءلت مقالة صريحة في “نيويورك تايمز”: “هل تغذي فرنسا الإرهاب الإسلامي بمحاولة منعه؟”.
يقول بن سميث إن بعض التغطية التي يشكو منها ماكرون تعكس اختلافاً حقيقياً في القيم. حديث السيد ماكرون عن الأوشحة، إلى جانب شكاوى وزير الداخلية بشأن الطعام الحلال في محلات السوبر ماركت، مع التأكيد الأميركي للتسامح الديني وحرية التعبير الذي يحميه التعديل الأول.
سأل بن سميث الرئيس ماكرون عمّا إذا كانت شكاواه الصاخبة من وسائل الإعلام الأميركية إذا لم تكن هي نفسها ترامبية صغيرة، فهي تقدّم أجندة ترامب من خلال الهجمات على الصحافة. قال ماكرون إنه، ببساطة، يريد أن يفهم نفسه وبلده بوضوح: “رسالتي هنا هي: إذا كان لديك أي سؤال حول فرنسا، فاتصل بي”. (في الواقع، لم يمنح مكتب نيويورك تايمز في باريس مقابلة قَطّ، التي ستكون بداية جيدة). وتراجع عند المقارنة مع ترامب. قال: “أقرأ صحيفتك، أنا من قرائك”.
باختصار، كانت الصحافة الأميركية والناطقة بالإنكليزية في صفنا. وسفهت رواية ماكرون. طبعاً، موقفها أفضل كثيراً من صحافة دول عربية تكره العروبة والإسلام، تماماً ككراهيتها حرية التعبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *