الرئيسية » المدونة » الإعلام الإلكتروني وجرائم النشر

الإعلام الإلكتروني وجرائم النشر

يلفون ويدورون في سبيل لجم الإعلام الإلكتروني، وربما يتمنى كثير من المسؤولين العرب لو أن الله ألهم بوش الأب ولم يسمح باستخدام الإنترنت مدنيا وظل حكرا على العسكريين. تلقى على الضيق المبطن غلالات من الحرص على السوية المهنية والأخلاق واحترام الخصوصية.. وقد يكون ذلك صحيحا إلا أنه يستغل من أصحاب النوايا الاستبدادية التي تريد أن تحتكر المعلومة والإعلام كما تحتكر القوة والثروة.

بعد نشر رسالة ليث شبيلات على مواقع إلكترونية وسحبها عاد السجال مجددا. أعادني ذلك عشرين عاما إلى الوراء عندما كانت كلمته في جلسة الموازنة في حكومة زيد الرفاعي تصور وتطبع وتوزع، كما المناشير، فالرجل اختلفت أو اتفقت معه قادر على التواصل مع الناس قبل الإنترنت وبعده. والمرجعية في النهاية هي القانون، فإن كان في النشر الإلكتروني جريمة فهو مثل “جرائم” خطباء الجمعة، فهل نلغي المنابر لأن خطيبا تجاوز؟ هل نلغي الإذاعات والتلفزيونات؟

انتهى زمان السيطرة على النت، سألت الصديق سميح طوقان، مؤسس مكتوب ومستشار ياهو، عن أفضل السبل للتعامل مع جرائم النت من تشهير أو إباحية أو قرصنة وغيرها؟ أجاب أن الحل هو في “مجتمعات” الإنترنت نفسها القادرة على وضع تقاليد وأخلاقيات بحيث تنظم نفسها بنفسها. طبعا ذلك لا يلغي الملاحقة القضائية والقانونية بحق من يرتكب أي جريمة. لكن الصعوبة وربما الاستحالة هي في القدرة على الملاحقة والمتابعة.

شخصياً، استفدت كثيرا من “الإعلام الجديد” استطعت أن أنشر وأتواصل وأحصل على معلومات وأفكار بما لا يقارن مع الإعلام التقليدي القديم، تماما كما تضررت منه. أذكر مثالين في حرب تموز وفي ظل الاستقطاب القطري السعودي نشرت مواقع إنترنت أن حزب الله طردني لتعاملي مع جهات معادية. الخبر نشر في موقع الساحات السعودي، بعضهم استغله للهجوم على “الروافض” وآخرون استغلوه للهجوم على الجزيرة وعليّ.

اتصل بي أصدقاء إلكترونيون للرد على الحملة، وعملوا كمينا لمن نشر الخبر الأول، بأن سألوه من مصدر الخبر، فقال ياسر شخصيا، فنشروا نفيي في موقع “الحسبة”. بعد الحرب كرّمني الحزب واستضافني في المنار، وأوضحوا لي أني تعرّضت لحملة منظمة في النت وخارجه، ولم تكن أثناء الحرب فرصة للتعامل معها.

ناشط يساري خصص موقعا في الإنترنت معنونا بـ “ضد تحيز ياسر أبو هلالة”، وعندما اعتقل هذا الناشط لم ينشر غيري خبر اعتقاله. وما يزال الموقع شغالا للشتم والتشهير بشخصي.

في المقابل شكل نشطاء آخرون موقعين على الفيس بوك للدفاع عني. لا مانع قانونيا من رفع قضية على ناشر الموقع، ولا مانع فنيا من حملة مضادة، وهذا هو الواقع الذي علينا التعامل معه.

صحيح أن الإعلام الجديد منح فرصة للمهمشين والمعارضين، لكنه في المقابل وكما فصّل الزميل باسم الطويسي أمس في مقالته التي نشرتها “الغد” ، أتاح للأقوياء فرصة السيطرة عليه، مدللا على ذلك بالانتخابات التونسية والإيرانية وما يجري في الصين. إذ خصص 40 ألف خبير لمراقبة الشبكة!

في الأردن، أعتقد أن النشر الإلكتروني فيه مشاكل كبيرة، إلا أن المواقع الأساسية فيه تشكل نموذجا ناجحا، وهي أفضل من كثير من الإعلام التقليدي. ومن دون تردد أقول إنّ موقع “عمون” أفضل من التلفزيون الأردني مهنية، وأفضل من كثير من الإذاعات والصحف. 

لا داعي لقوانين جديدة، نحتاج خبرات جديدة في التعامل مع النشر الإلكتروني. وفي الجرائم الإلكترونية تمتلك دائرة البحث الجنائي وغيرها خبرات كافية لتحديد المجرم ومكان الجريمة سواء كانت تهديدا أم تشهيرا أم نصبا. والقضاء قادر على بناء سوابق يشكل تراكمها مرجعية قانونية تغني عن القوانين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *