الرئيسية » المدونة » الاستئصال في السودان والاعتبار بتونس وليبيا

الاستئصال في السودان والاعتبار بتونس وليبيا

تخطئ الإمارات مجدّداً، عندما تحاول استنساخ انقلاب عبد الفتاح السيسي في السودان، تماماً كما فشلت في ليبيا، فانقلاب السيسي خدمته دولة مصرية عميقة، ممتدّة، راسخة، معادية للإخوان المسلمين، وهذا غير متحقق في ليبيا والسودان. على العكس، الدولة العميقة في السودان هي التي أسسها حكم الإنقاذ على مدى عقود ثلاثة. وما سيحصل هو تكرار الفوضى الليبية بدماء أكثر في بلدٍ اكتوى بنار الحرب الأهلية منذ سنوات استقلاله الأولى. ليس مأسوفاً على عمر البشير، وكنت قد كتبت هنا قبل سقوطه، عندما زار بشار الأسد، أن مكانهما الطبيعي محكمة الجنايات الدولية. وللمفارقة، كانت تلك الزيارة بترتيب إماراتي مع الروس، وحمل رسالة إماراتية سعودية لبشار الأسد، كما تؤكّد مصادر قريبة من النظام السوري، طلب منه أن ينقلب على إيران كما فعل هو، وسيقدم له المحمدان (بن زايد وبن سلمان) ما يحتاجه من دعم مالي وسياسي. طبعاً المجرم بشار الأسد يحمد الله أنه لم يستمع للنصيحة، وظل في حضن إيران الدافئ. المأسوف عليه هو الثورة السودانية التي ابتلع كثيرون من ثوارها الطعم، وصارت القضية هي استئصال الإسلاميين وفق الوصفة الإماراتية، وليس استعادة النموذج الديموقراطي السوداني الذي استوعب كل الأطياف، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. أي عاقلٍ يدرك خطورة استئصال أي تيار سياسي، وفي العراق تجربة “اجتثاث البعث” مُرعبة، فقد دمّرت البيروقراطية العراقية، وحولت كثيرين من ضباط الجيش والأمن إلى دواعش. في المقابل، قدّمت تونس نموذجاً في استيعاب النظام السابق، وتمكّنت حركة النهضة وزعيمها الشيخ راشد الغنوشي من إحباط قانون العزل السياسي في تونس. يتحدّث الشيخ راشد، عندما التقيته الأسبوع الماضي في الدوحة، بتندّر عن فشل قانون العزل السياسي، إذ خالف أعضاء من “النهضة” رأيه، وصوّتوا مع العزل، لكن إحداهن تعثرت، قبل أن تضغط على زر الموافقة، وفشل القانون بفارق صوت واحد. وبرأيه، فإن قانون العزل السياسي لو أقرّ لأفشل التحول الديموقراطي، اليوم، على الرغم من ضبابية المشهد وصعوبة الأوضاع الاقتصادية، الشيخ راشد مطمئن إلى مسار الديموقراطية في تونس، وهو يشارك خبراء رأيهم في أن إجراء أربعة انتخابات متتالية نزيهة يؤكد نجاح التحوّل الديموقراطي.
في ليبيا، أقر المؤتمر الوطني قانون العزل السياسي، وكان ذلك بداية تعثّر المسار الديموقراطي وتدهور البلاد. ميدانياً، كان خليفة حفتر يخطط لعزل خارج القانون، من خلال عصاباته المسلحة، ونفذ انقلاباً جزئياً، كلف البلاد آلاف القتلى، ولم تضع الحرب أوزارها بعد. رفع حفتر شعار محاربة الإخوان المسلمين على وقع انقلاب السيسي، وهو عملياً يحارب كل مخالفٍ له، منافسٍ على السلطة، وقدّم أسوأ أشكال المتشدّدين، وهم السلفية المداخلة، والذين يرتكبون أبشع الجرائم تحت شعار محاربة الإخوان.
لا يوجد لدى نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، حميدتي، أي امتداد في المؤسسة العسكرية، فهو لم يتخرّج من المدرسة ولا في الكلية العسكرية. راعي إبل تحوّل إلى جنجويد، وهي مليشيا تحارب أبناء الوطن من عرقيةٍ أخرى، ومن ثم صدّر مواهبه المليشياوية إلى اليمن، فهل يعقل أن يقود التحوّل الديموقراطي من له هذا السجل الأسود في حقوق الإنسان في السودان واليمن؟ من السهل على حميدتي أن يعتبر الإسلاميين مثل أهل دارفور، ويعمل فيهم الإبادة الجماعية، وتحت شعارات محاربة الإرهاب هذه المرّة. ومثلُه يفتقر الخبرة التي تقول إن الإسلاميين سيقاتلون دفاعاً عن أنفسهم. وفي بلد ــ قارّة مثل السودان، لن يستطيع الجنجويد أن يلاحقوهم. لكنه سيظل يعقد مؤتمراتٍ صحافية يتحدث فيها عن انتصاراته، وستواصل الإمارات إمداده بالمال والسلاح، فنكون أمام حرب أهلية، لا حرية ولا تغيير.
يستحق ثوار السودان حكماً مدنياً ديموقراطياً يليق بتضحياتهم وبتاريخ السودان، ولا يستحقون تحول نظام عسكري إلى مليشيا عسكرية قبلية. والشرط الأساسي لنجاح التحوّل إلى الحكم المدني هو رفض العزل والاستئصال لأي فريق سياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *