الرئيسية » المدونة » الانتخابات التونسية: نحو سقوط ورقة التفويض الشعبي لسعيّد

الانتخابات التونسية: نحو سقوط ورقة التفويض الشعبي لسعيّد

في ظل حملة انتخابية باردة، وتشكيك في نوعية المرشحين، وقانون انتخابي أقصى الأحزاب السياسية، يتوجّه التونسيون، السبت المقبل، إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في الانتخابات التشريعية، التي تشكّل امتحاناً لشعبية الرئيس قيس سعيّد ومشروعه.

وبعد العزوف الكبير عن المشاركة في الاستشارة الإلكترونية حول “الإصلاحات” التي جرت بين شهري يناير/ كانون الثاني ومارس/ آذار الماضيين، ثم الاستفتاء على الدستور في 25 يوليو/ تموز الماضي، تشي التوقعات بانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية

وهو ما يعتبره البعض سقوط الفرصة الأخيرة أمام سعيّد للحصول على تفويض شعبي لمشروعه، وبالتالي إنقاذ صورته أمام التونسيين والعالم. غير أن ذلك لا يعني تراجع الرئيس التونسي عن برنامجه، وهو الذي لم يهتم بالأساس بإعطاء الغطاء الديمقراطي لمشروعه.

وقال الأمين العام للتيار الديمقراطي غازي الشواشي، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “هذه المحطة الانتخابية الجديدة تندرج ضمن برنامج سعيّد، وتدخل في سياسته التي يريد فرضها بعدما فرض الدستور”، معتبراً أنها “محطة جديدة في اتجاه تركيز المشروع الشخصي للرئيس وما يسميه بالجمهورية الجديدة”.

وأوضح الشواشي أن “هذا المشروع كان قد انطلق باستشارة عرفت فشلاً كبيراً وكانت فيها المشاركة ضعيفة جداً ولم تتجاوز الخمسة في المائة، وصولاً إلى الاستفتاء (على الدستور) الذي عرف عزوفاً بدوره”، مضيفاً أنه “على الرغم من أن سعيّد راهن على مشاركة واسعة من التونسيين في الاستفتاء، ولكن لم يتجاوز المشاركون الـ25 في المائة، ورافقت ذلك إشكالات عدة”.

حاتم المليكي: الفرصة الأخيرة لسعيّد في مسألة الشعبية هي الانتخابات التشريعية

وتابع الشواشي: “من الواضح أنه سيكون هناك عزوف عن الانتخابات التشريعية، لا سيما في ظل انتقادات واسعة للقانون الانتخابي الذي أقصى الأحزاب السياسية، وأقصى العديد من الفئات كالشباب والنساء ولم يوفر لهم حظوظاً متساوية، وأقصى الكفاءات”.

وأضاف: “بالتالي سنجد برلماناً من العاطلين من العمل وبعض الموظفين والمتقاعدين، وهو مجلس باهت من دون صلاحيات، يشارك فيه رئيس الدولة وما يعرف بالغرفة الثانية للأقاليم والجهات، التابعة لمنظومة قيس سعيّد التي تكرس نظام حكم الفرد في غياب أي مساءلة”.

وتوقع الشواشي أن “تفشل هذه المحطة كما فشلت بقية المحطات، وسيكون هناك برلمان لا يمثل التونسيين”، معلناً أنهم “كخماسي ديمقراطي (التيار الديمقراطي والتكتل والجمهوري والعمال والقطب)، سيقاطعون الانتخابات ويدعون التونسيين للمقاطعة، والتي تبدو واضحة من الآن، فقد كان الإقبال على الترشحات ضعيفاً، وكذلك الحملة باردة، بل مضحكة للجماهير”.

ورقة التفويض الشعبي وسعيّد

من جهته، أكد النائب السابق المستقل حاتم المليكي، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أن “سعيّد مصر على البقاء في المسار الذي انطلق فيه منذ البداية”، موضحاً أنه “كان قد أعلن عن تنظيم استشارة واستفتاء ثم انتخابات تشريعية، ولكن من الواضح أن الاستشارة والاستفتاء لم يكونا في حجم انتظار سعيّد ولا أنصاره”.

وأضاف: “نسبة الـ5 في المائة الذين شاركوا في الاستشارة الوطنية، و25 في المائة الذين وافقوا على الاستفتاء، لا يعبّرون عن الشعبية التي يتحدث عنها أنصار الرئيس، أو كونه يحظى بتفويض شعبي واسع، فنحن بعيدون جداً عن هذا التفويض”.

وأضاف المليكي أن “الفرصة الأخيرة لسعيّد في مسألة الشعبية هي الانتخابات التشريعية، والمسألة تتعلق اليوم بتفادي مشاركة ضعيفة ومحاولة الوصول إلى مشاركة قوية”، مشيراً إلى أن “سعيّد مصر على مواصلة المسار الذي رسمه لنفسه وهو مسار شخصي، وبما أن المشاركة في المحطات السابقة لم تكن قوية فالمسألة اليوم ليس فقط إثبات شعبية الرئيس بل أيضاً تفادي مشاركة ضعيفة”.تقارير عربية

قيس سعيّد يحاول إنعاش انتخابات 17 ديسمبر في تونس

ولفت المليكي إلى أن “الرئيس سعيّد سيواصل مع ذلك استكمال المسار السياسي، من انتخابات محلية ومجالس جهوية، وجلها محطات لا علاقة لها بالوضع، لأنه والمواطنين سيصطدمون بالواقع وبالوضع الاجتماعي والاقتصادي، ما سيقود إلى لحظة واضحة يشعر من خلالها الناس بالفارق الكبير بين استحقاقاتهم كمواطنين وما يعرف باستحقاقات الرئيس وببرنامجه السياسي”.

وحول دور هيئة الانتخابات واتهامات بخروجها عن الحياد، اعتبر المليكي أنها “هيئة نصّبها رئيس الجمهورية وعيّن أعضاءها، ويتحكم في جل مساراتها، وحتى في أوقات الاقتراع، وبالتالي الهيئة لم يعد دورها إنجاح الانتخابات، بل الدعوة للمشاركة”.

وفي قراءة أخرى للانتخابات التشريعية، قال رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية حول المغرب العربي عدنان منصر، في حديث مع “العربي الجديد”، إن سعيّد “لا يهمه مدى الإقبال على الانتخابات ولا نسب المشاركة، فهو يعتبر أنه مكلف برسالة”.

وتابع: “حتى من دون انتخابات فهو لا يهتم بإعطاء الغطاء الديمقراطي لمشروعه، وهو ما أكده في أغلب المناسبات وبالتالي لا يوجد في برنامجه عدد المصوتين أو نسب مشاركة أو حتى نوعية المرشحين”.

وأوضح منصر أن “مراقبي الانتخابات قد تهمهم نسبة المشاركة لأنها تدل على الشعبية أو تراجعها، وتنظيم انتخابات يشارك فيها الناس وليس العكس، ولكن مشاركة أقلية تعني بالضرورة تراجع شعبية الرئيس وأن هناك تحولاً في الرأي العام قد يكون بطيئاً ولكنه يعكس تراجعاً. وهذا ما نلمسه في ردود الفعل وفي انضمام فئات جديدة تكون في كل مرة ضد خيارات الرئيس”.

واعتبر منصر أنه “بحسب مقاييس سعيّد وبرنامجه فهو لا يهتم بذلك، وحتى اللجنة التي شكّلها لصياغة الدستور كانت فقط استجابة لطلب تشكيلها، ولكنه لم يراع أي شيء من متطلباتها الضرورية، وهو لا يستمع لأحد، ولديه برنامج ومخطط يسير فيه بقطع النظر عن المعارضين وعددهم ونوعيتهم وحتى الموافقين له وعددهم”.

وأشار إلى أن “سعيّد يعيد السؤال هل الديمقراطية ضرورية أم لا، وإن كانت ضرورية فبأي طريقة تكون؟”، مضيفاً “بالتالي نحن أمام طرح جديد يتناقض مع كل الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية بوصفها حكم الشعب بنفسه”.

وبحسب منصر: “إذا وصلت نسبة المشاركين في الانتخابات إلى 25 في المائة فسيكون ذلك نجاحاً لسعيّد، وستكون ربما في أقصى الحالات 30 في المائة”، وتابع أن “هيئة الانتخابات خرجت عن الحياد ومن خلال تصريحات وتنقلات أعضائها هي تدعو كي يشارك الناس بكثافة وهذا ليس دورها”.

أما رئيس حزب التكتل خليل الزاوية، فتوقع في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن تكون نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية ضعيفة “لأن هناك عزوفاً واضحاً من جل المواطنين”، لافتاً إلى أن “الأحزاب السياسية تم إقصاؤها، وهي عنصر أساسي في العملية الانتخابية”، مؤكداً أن “معظم المواطنين لا يعرفون الفرق بين مرشح وآخر، وكلهم تقريباً مستقلون من دون أي برنامج أو فكرة على تسيير البلاد”.

قاسم الغربي: لا يوجد أي إحساس لدى المواطنين بأن هناك انتخابات

ولفت الزاوية إلى أن “الحملة الانتخابية الباردة لا تشجع على الإقبال، بل كثفت العزوف”، مؤكداً أن “الانتخابات ستكشف اهتراء مشروع قيس سعيّد، والعزوف دليل على عدم انخراط المواطنين في مشروع هلامي ليس واضحاً”.

وأشار إلى أن “المجلس الجديد سيكون ضعيفاً وبلا صلاحيات، ولن يؤدي دوره كمجلس نيابي يراقب الحكومة أو يسائلها”، مضيفاً أن “مهام المجلس النيابي العادي غير موجودة، فالحكومة يعيّنها رئيس الجمهورية من دون تزكية البرلمان، ولا يحاسبها البرلمان، وبالتالي مهمته هي المصادقة على مقترحات القوانين التي سيقدمها الرئيس والحكومة، وهناك وعي واضح من الناس بهذا الأمر”.

إهمال الناس للانتخابات

من جهته، تحدث المحلل السياسي قاسم الغربي عن “نقاط تشابه بين حملة الانتخابات التشريعية والاستفتاء، إذ لم تكن هناك حملة واضحة، ولا يوجد أي إحساس لدى المواطنين بأن هناك انتخابات”، وأضاف في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أن “ما نلاحظه هو طغيان الجانب الحياتي لدى عامة الناس، وتركيز على الوضع الاقتصادي والاجتماعي بدل التركيز على العملية الانتخابية. والسؤال هل سيؤدي ذلك إلى فشل العملية الانتخابية من حيث الحضور الشعبي؟ وهل سيؤثر على شعبية سعيّد؟”، معتبراً أن “الامتحان الحقيقي لمشروع سعيّد هو الآن”.

وبيّن الغربي أن “الامتحان ليس في تمرير مرشحين أو في تكوين برلمان مساند لسياسته، لأنه لا يحتاج لبرلمان لتنفيذ مشروعه، بل يحتاج إلى برلمان لإضفاء مشروعية على مشروعه”.

وأضاف أن “السؤال حول مدى وجود مشاركة شعبية من عدمها، وبحسب قراءات وملاحظة بالعين المجردة للوضع ومدى حضور الناس ومساهمتهم في الشأن العام، فهذا يعطينا انطباعاً أن الانتخابات التشريعية ستفشل من حيث المشاركة الشعبية”، لكنه استدرك “على الرغم من ذلك، فهناك جزء من الشعب لا يشارك في الحملة لكنه يصوّت، خصوصاً كبار السن وفي بعض المناطق الداخلية. وهؤلاء تبقى مشاركتهم ممكنة لاعتبارات سوسيولوجية، وهم بشكل عام يميلون إلى السلطة القائمة مهما كانت طبيعتها”.

وأضاف: “من جهة العدد فقد يشكلون نسبة محترمة، ولكن من جهة المشروعية السياسية ستُطرح تساؤلات وانتقادات حول هذه المشروعية، طالما أن نوعية المشاركة منحصرة في هذه الفئات”.

وأشار الغربي إلى أنه “بحال لم تشهد المدن الكبرى كتونس وبنزرت وصفاقس وسوسة وقابس، مشاركة مهمة في العملية الانتخابية، فإنها حتماً ستجعلها محطة فاشلة”، مبيناً أن “السلطة تمسك بزمام الأمور حتى وإن فشلت الانتخابات، ولكنها ستفقد الكثير من مشروعيتها وشعبيتها”.

وتابع: “ما لم يُقل في الاستفتاء وسيتكرر في الانتخابات التشريعية هو أن قطب الرحى في الانتخابات الرئاسية لقيس سعيّد كان الطلبة، ولكن ما وقع في الاستفتاء هو غياب هذه الفئة والتي عُوّضت بفئات أخرى، والواضح أن القاعدة الانتخابية لسعيّد تغيرت تماماً، فمن قاعدة طالبية شبابية إلى قاعدة أكبر سناً وأقل في المستوى الثقافي”، وحول دور هيئة الانتخابات، قال إن “الهيئة ابتعدت كثيراً عن الحياد وأصبحت جزءاً من العملية الانتخابية ومن الحملة”.تقارير عربية

الانتخابات التشريعية التونسية: رهان على المقاطعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *