الرئيسية » المدونة » الانتصار الحقيقي في اليمن

الانتصار الحقيقي في اليمن

لم أكن أتوقع أن أتعرّض للهجوم من صحيفة مؤتمر الشعب العام (اليمنية)، عندما عملتُ تقريراً على هامش انتخابات الرئاسة 2006 عن أول برلمان في الجزيرة العربية الذي لا يزال مبناه قائماً في عدن منذ بناه الاستعمار الإنكليزي. كان الماعز يسرح في أرجاء المبنى التاريخي الذي لم يكن يعني شيئاً للرئيس علي عبد الله صالح الذي زوّر، كعادته، الانتخابات، وخسر مرشّح المعارضة فيصل بن شملان رحمه الله، مع أن الرجل جنوبي، إلا أنه حقق إجماعاً عليه من أحزاب المعارضة على ما بينها من فوارق سياسية وفكرية.وقتها لو صدق صالح في انسحابه من تلك الانتخابات، ولم يزوّر الانتخابات، لترسخت وحدة اليمن، عندما يحكم سياسي جنوبي اليمن كله من خلال صندوق الاقتراع. فرصة أخرى ضيّعها صالح، كانت ستحافظ على وحدة اليمن، فالثورة الشبابية أيام الربيع العربي كانت تعبيراً حقيقياً عن وحدة اليمن، لكنه اختار التآمر عليها مع السعودية والإمارات. ويبدو أنه كان مهووساً بارتباط بقاء اليمن كياناً ببقائه رئيساً.
تحققت الهزيمة في اليمن، عندما رفع اليمني سلاحه بوجه أخيه، وفي حروب الإخوة لا منتصر. صحيح أن هزيمة مشروع الإمارات خطوة حاسمة باتجاه تحقيق السلم الأهلي، لكنها تظل غير كافية من دون العودة إلى مربع الحوار الوطني الذي يشمل الجميع بما فيهم الحوثيون والانفصاليون الجنوبيون.
الجميع تعب في اليمن. الحرب تشكّل كارثة اقتصادية وسياسية للسعودية والإمارات، والشعب اليمني يعيش أكبر كارثة إنسانية بفعل هذه الحرب المدمرة. الحوار الحوثي السعودي الذي تدعمه أميركا مفيد، وهو حوار سعودي إيراني غير مباشر. وانسحاب السعودية والإمارات وإيران كفيل بانتهاء الحرب، والبدء بالحوار الوطني.
بإمكان الإمارات أن تعيش الجو الإمبراطوري، وتنسحب مثل بريطانيا التي انسحبت بعد 130 عاماً، وتترك اليمنيين يختارون مسارات حياتهم، ويتحكّمون بموانئهم وجزرهم، وعلى السعودية أن تدرك أن اليمن ليس حديقتها الخلفية، والبلدان قانونياً وأخلاقياً ملزمان بإعادة الإعمار، وكلفته من دون الحرب أقل بكثير.
ما هو أسوأ من الانفصال استمرار الاقتتال، وفي وسع اليمنيين التوصل إلى واحدٍ من أشكال الحكم الاتحادي في صيغة انتقالية مؤقتة، قد تتحول إلى وحدة ناجحة أو انفصال ناجح، فالدولة العربية الحديثة عموماً فاشلة، لا هي قابلة للجمع ولا للقسمة. وفي تجارب انفصال جنوب السودان عبرة لمن يعتبر.
شاهد جيلنا توحيد ألمانيا وتوحيد اليمن في وقت متقارب، وشاهد أيضاً محاولة انفصال إقليم كتالونيا في إسبانيا، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانفصال السودان.. اليمن مثل كل دول العالم، يوجد فيه انقسام حقيقي تجاه الوحدة والانفصال. وبإمكان مواطنيه، من دون تدخل خارجي، حل خلافاتهم سلمياً مثل العالم المتحضر، أو الغرق في مستنقع حربٍ أهلية لا خروج منه.
لا شك أن علي عبد الله صالح قدّم أسوأ نماذج الوحدة، لم يحترم الجنوبيين، ونهب بلادهم وثرواتهم. لا تنجح وحدة من دون عدالة وتنمية وديموقراطية. لقد حمل السوريون سيارة جمال عبد الناصر، وحلوا أحزابهم السياسية، من “الشيوعي” إلى “البعث” والإخوان المسلمين، إيماناً بالوحدة التي انهارت بعد اعتماد عبد الناصر على ثلّة من الضباط الحمقى.
اليوم، بعد انتصار قوات الشرعية في عدن، يستطيع اليمنيون التعلّم من دروس الماضي القريب والبعيد. يتسع بلدهم للجميع من الحوثي إلى الانفصالي. والقوة الأجنبية، سواء الإنكليز أم الإمارات أم السعودية أم إيران، لن تبقى. عدن التي لا يزال مبنى البرلمان بحجره الأسود شامخاً على جبالها قادرةٌ على التعلم، وتعليم أشباه الدول التي لا تزال تفضّل صندوق الذخيرة على صندوق الاقتراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *