الرئيسية » المدونة » الترفيه حاجة ليس في السعودية فقط

الترفيه حاجة ليس في السعودية فقط

ما تشهده السعودية من احتجاجات قائمة، وقادمة، على ما تفعله هيئة الترفيه من فعاليات، مشروعة، أو غير مشروعة، سبق وأن شهدته مجتمعات عربية. لا أنسى في الأردن عندما كان مهرجان جرش للثقافة والفنون قضية كبرى لخطباء المساجد ولجماعة الإخوان المسلمين، باعتباره مؤامرة لإلهاء شباب الأمة، وحرفهم عن دينهم، وإشغالهم عن تحرير فلسطين، مع أن المهرجان حقيقة للثقافة والفنون، وربما حدثت فيه تجاوزات يمكن أن تقع في الأسواق والأماكن العامة وفي الأعياد والمناسبات. كانت الحركة الإسلامية تعبّر عن مجتمع محافظ، يتواطأ معها وتتواطأ معه، بدلاً من أن تنهض به وترتقي به ثقافياً وفنياً، فالحضارة العربية والإسلامية عرفت كل أشكال الفنون والموسيقى، وكلما كانت الفتوحات تتسع وتمتد كانت الفنون، شعراً وموسيقى وغناء، تزدهر والعكس صحيح.
من حيث المبدأ، الترفيه حق طبيعي للبشر، في الأردن والسعودية وفي غيرهما. في تطبيق المبدأ ثمّة أخطاء وخطايا، يُحاسب من يقترفها، ولا يعاقب جمهور الأمة بجريرتهم. لقد ضيّق على الإنسان السعودي منذ تأسيس الدولة السعودية الحديثة التي تحالفت مع أكثر اجتهادات الإسلام تشدّداً. بعيداً عن كذبة عام 1979، منذ تأسيسها، زاودت المملكة على الهاشميين والعثمانيين بأنها هي من تطبق الإسلام الحق، حسب إفتاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأحفاده.
المفارقة أن أحد أسباب الرفض لهيئة الترفيه رئيسها حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تركي آل الشيخ الذي يُسمّى في منصات التواصل تركي وناسة. يمكن اعتباره صهريجاً يشفط أسوأ ما في المجتمع السعودي من غرور وغطرسة وفجور وتحلّل، ولكن الموقف منه غير الموقف من الترفيه، وكما ظُلم المجتمع السعودي من آل الشيخ تشدداً يظلم منهم اليوم تحللاً.
ربما كشفت دعوة المغنية الإباحية، نيكي ميناج، بعض ما في الصهريج، وشجعت رافضي الهيئة، باعتبارها هيئة تروّج التحلل من الدين والقيم والأخلاق، بقدر ما كشفت قدرة على التمييز بين الترفيه المشروع وغير المشروع. وكشف النقاش، في مجمله، أن القائمين على الهيئة إما جهلة لا يدرون من نيكي أو أنهم فعلاً متآمرون على قيم المجتمع، وإن كنت تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.
تمكّن الحكم السعودي، قبل محمد بن سلمان، من إيجاد معادلةٍ تتهرّب من التشدّد، من خلال الإعلام. لم تكن المعايير التي تطبق على الأرض السعودية تطبق على قنوات إم بي سي وروتانا، وقنوات صالح كامل، وصحيفتي الحياة والشرق الأوسط، وما تناسل منها. ما فعله محمد بن سلمان أنه وطَن تلك القنوات في الداخل السعودي.
بعيداً عن المعارك السياسية، علينا أن نفكر بحق مجتمعاتنا في الترفيه. أخطأت الدولة السعودية عندما تبنت تفسيراً متشدّداً للإسلام، تماماً كما أخطأت الحركة الإسلامية عندما تواطأت معها. وصار تحريم الموسيقى والغناء جزءاً من أدبياتها. وقد تعرّض الشيوخ علي الطنطاوي ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي للتشنيع من شيوخ السعودية، لموقفهم المتساهل مع الموسيقى والغناء. ولكن مواقفهم ظلت استثناء مقابل تيار عامٍ معادٍ لمعظم أشكال الترفيه.
لا تتجزّأ الحرية، حق الشباب في الترفيه ليس بديلاً عن حقهم في التعبير، لا يحقّ لمن يقتل صحافياً بالمنشار ويعتقل أصحاب الرأي والناشطات أن يزعم تحرير المجتمع السعودي، هذا مجرّد تحايل ومقايضة غبية، وسيكتشف هو أن شباك الحرية الاجتماعية تدخل منه رياح الحريات السياسية أيضاً، وسيندم على اليوم الذي فتح فيه الشباك.
لا تخيّر المجتمعات أن تعيش بقيم متشددة أو بلا قيم، تستطيع أن تعيش بمرجعية قيمية عليا تعتمد على تفسير منفتحٍ للدين. نحتاج مراجعة صادقة لمجتمعاتنا: ألم يكن التشدّد بوابة للتحلل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *