الرئيسية » المدونة » التعليم ثم التعليم ثم التعليم

التعليم ثم التعليم ثم التعليم

تَمكن توني بلير من هزيمة المحافظين في بريطانيا بعد عقدين من هيمنتهم على السياسة البريطانية، شكلوا فيها وجه العالم لا وجه بريطانيا وحدها، فالثاتشرية والريغانية تجلًى فيهما انتصار الرأسمالية التاريخي على دول المعسكر الاشتراكي. فما الذي مكَن الشاب السياسي الواعد من الانتصار على حزب المرأة الحديدية؟

لم يطرح بلير ورفاقه في حزب العمال شعارات تتعلق بالمهاجرين، ولا الضرائب ولا استعادة أمجاد بريطانيا العظمى، شعاره كان ثلاث كلمات “التعليم ثم التعليم ثم التعليم”. بعد الفوز المدوي لم تعط وزارة التربية والتعليم (تضم التعليم العالي) إلى نائب يحول الوزارة إلى آلة انتخابية لمقعده النيابي المقبل، يرفع وينقل ويعين وفق الاعتبارات الانتخابية السخيفة التي شهدناها في بلادنا، حيث قدم من هو في الدرجة الرابعة على من يسبقه خبرة وعلما من أجل حفنة أصوات. ولم تعط الوزارة لأكاديمي غارق في النظريات ويخشى من تغيير مدير مدرسة، ولا لموظف بائس نال مكتسباته بالجبن الوظيفي والتقادم. أعطيت في بريطانيا بلد الصوت الواحد للناخب الواحد إلى أقوى رجالات الحزب ديفيد بلانكت. حطم الوزير الأعمى بصلابةٍ نظرية من سبقه من المحافظين التي بنيت على مبدأ المدارس الشاملة في التعليم الحكومي، وألغت مدارس التميز، فالتعليم العام يجب أن لا ينفق عليه، والمقتدر هو الذي يذهب للمدارس المتميزة. تصدى بلانكت لتلك النظرية وقال “إني أرى (وهو الأعمى) طلاب المدارس الشاملة يخطئون في اللغة”. وقال إنه وثاتشر ومعظم السياسيين هم من تخرجوا من مدارس التميز، ولو لم تكن موجودة لما نالوا الفرص في الذهاب للجامعات العريقة كأكسفورد وكامبردج ودرم وغيرها.

في برنامج حزب العمال البريطاني “التميز في التعليم” أفكار تصلح لبلادنا، مع ملاحظة أن أسوأ المدارس عندهم تتفوق على أفضل مدارسنا. في البرنامج “المعلمون الأكفاء الذين يستخدمون أكثر الطرق المؤثرة هم العامل الرئيس الذي يساعد على تحقيق أعلى المستويات ومن ثم يعتبرون استثماراً وطنياً مهماً”. “يجب أن تبذل جهود كبيرة لرفع الروح المعنوية وتحفيز العاملين في المدارس والكليات والسلطات التربوية”. “و يعتبر المعلمون المهرة وذوو الخبرات الطويلة هم الركيزة الأساسية للمدارس. ولذلك هناك حاجة ماسة إلى وجودهم باستمرار في الخدمة لأنهم قادرون على تقديم المساعدة اللازمة لزملائهم عن طريق المساهمة بمعرفتهم وخبرتهم. والمشكلة هي أن الترقية بالنسبة للمعلمين تعني عادة تخفيض مدة بقائهم في الخدمة، وهذا ضياع للموهبة بالنسبة للذين يملكون مهارات عالية في التدريس، ولهذا السبب قمنا بابتكار مرتبة وظيفية جديدة للمعلمين الذين يمتازون بمهارات عالية لمكافأتهم على تحمل أعباء إضافية للمساهمة في تحسين نوعية التدريس في مدارسهم”.

لا نحتاج لخبرة بريطانية لإثبات أن المعلم هو عماد العملية التربوية، فالبناء المدرسي والمنهاج والكتب والأقلام والمساطر.. كلها لا تتقدم عليه، ولسنا بحاجة إلى دراسات دولية ولا محلية لإثبات بؤس حاله الذي ينعكس فورا على الطلبة الذين يمضي معهم وقتا أكثر مما يمضونه مع آبائهم. نحتاج إلى لحظة صدق ندقق فيها في وجوه المعلمين والمعلمات، ووجوه الطلاب والطالبات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *