الرئيسية » المدونة » الخبز إذ يعرّي شعبوية قيس سعيد والسيسي

الخبز إذ يعرّي شعبوية قيس سعيد والسيسي

يتوجّه الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في ظلمة الليل إلى وزارة الداخلية، لمواجهة مشكلة نقص مادة القمح، يخطب فيهم متوعّدا المحتكرين الذين يجوّعون الشعب التونسي. قبلها كان قد خطب في القضاة الذين عيّنهم “مؤقتا”، بعد حل المجلس الأعلى للقضاء، عن استقلالية القضاء في هذه اللحظة التاريخية (دائما في خطاباته اللحظة تاريخية)، ولا يوفر التاريخ، فيستدعي المؤرخ الباحث إبراهيم شبوح، ليحاضر عليه عن ابن خلدون وحديثه في المقدمة عن المحتكرين. وبعدها، يخطُب بصوتٍ هادر على “رئيسة” الحكومة نجلاء بودن، محدّدا “ساعة الصفر” لضرب المحتكرين والمضاربين، جميعهم صامتون في حضرته، وخصوصا رئيسة الحكومة التي تومئ برأسها موافقة، وتسبّل عينيها ممسكةً بملفاتها، لا تسمع لها ركزا.

بعد أسبوع من هذا الحشد والاستعراض أمام الصامتين الموافقين، وبحسب قصة الإمبرطور العاري، وجد قيس سعيّد من يقول له إنك عار. بطريقته الاستعراضية التي تُصوّر بعدة كاميرات، يزور فجأة مخبزا ليحصُد نتيجة انتصاراته بعد ساعة الصفر. ببساطة، وشجاعة، وبفضل عقد من الديمقراطية، عرّى الخبّاز إمبراطور الشعبوية، فيقول له، وبحسب التسجيل المنشور على صفحة الرئاسة التونسية، في “فيسبوك” إنه “لا يوجد ضغط كبير كما الأيام السابقة”، فيجيبه الخبّاز “يوجد ضغط كبير إلى درجة أني قد أضطر إلى إغلاق المخبز، بسبب نفاد حصتي الشهرية من مادة الدقيق”. يعود الإمبراطور بسؤال آخر “تزويد المخابز لم يعد حتى الآن لمستوياته الطبيعية؟”، “لا يزال ناقصا ناقصا بشدة”، “لم يوزّعوا عليكم ما ضبطوه في مخازن المحتكرين؟”، “لم يتغير شيء”. يقول له الخباز إنه سيغلق قبل نهاية الشهر لعدم توفر الدقيق، يردّ عليه الإمبراطور بخطابية: “لا يمكن أن تغلق مخبزك لأن الخبز مادة أساسية”.

يخرج الإمبرطور من المخبز، ملوّحا للجماهير التي تصفّق له مردّدا شعاراته التي تتوعد من يجوّعون الشعب، والجماهير تصفق له “بعفوية”. في اليوم التالي، أحيلت إلى القضاء “المستقل”، بحسب موقع بوابة تونس، سيدة تعيل أسرتها من خبز الطابون الشعبي بتهمة احتكار الدقيق! من يجوّع الشعب؟ في النهاية، هو قيس سعيّد الذي انقلب على الديمقراطية، واحتكر كل السلطات بما فيها القضاء، وأقال مدير الإحصاء حتى لا تظهر أرقام الجوع فقرا وبطالة وتضخّما وتراجعا في الاقتصاد. لا يوجد محتلٌ لتونس يحمل المسؤولية، ولا تعدد سلطات، هو الدولة لا شريك له فيها. وعجز عن تأمين الخبز للمواطن. يتحمّل المسؤولية وحده، لأنه المسؤول الوحيد المتفرّد بالسلطة.

تقول وزيرة التجارة التونسية، فاضلة رابحي، لمجلة الإيكونومست، إن إنتاج الخبز المدعم الذي يباع بـ190 مليما (ستة سنتات) يكلف بالفعل 420 مليمًا. تعاني الدولة من عجز في الميزانية يبلغ حوالي 9% من الناتج المحلي الإجمالي، ومدفوعات خدمة الدين السنوية عند المستوى نفسه تقريبًا.

لا يأتي الخبز من خلال وزارة الداخلية بحسب قيس سعيّد، ولا من الجيش بحسب عبد الفتاح السيسي. الخبز يُستورَد، ويواجه مشكلة عالمية بسبب أزمة سلاسل التوريد بعد “كوفيد 19″، وفاقمتها حرب روسيا على أوكرانيا، ما جعل البنك الدولي يحذّر من مجاعة واضطرابات في منطقتنا. وبحسب “الإيكونومست”، تعدّ روسيا وأوكرانيا، على التوالي، أكبر وخامس أكبر مصدّرين في العالم. “أوقفت الحرب الشحنات القادمة من البحرالأسود. هذه أخبار مأساوية لمصر، أكبر مشترٍ للقمح في العالم. تحتاج إلى 21 مليون طن سنويًا لإطعام 102 مليون شخص، لكنها تنتج أقل من نصف ذلك. توفر روسيا وأوكرانيا 86% من وارداتها”.

يعيش نحو ثلث المصريين تحت خط الفقر الرسمي، البالغ 857 جنيهاً في الشهر. قد يضر انخفاض شحنات الذرة من أوكرانيا بمصر التي تحصل على 26% من وارداتها من هناك، نظرًا إلى استخدامها علفا للحيوانات، وسيؤدي ارتفاع أسعار الذرة إلى ارتفاع كلفة اللحوم في مصر، فضلاً عن ارتفاع سعر عصيدة الذرة في جنوب أفريقيا، حيث تعد عنصرًا أساسيًا. وأوكرانيا هي أيضا أكبر مصدّر لزيت عباد الشمس.

عندما زار مصر في 2015، أهدى بوتين السيسي، على مائدة العشاء الوافرة بالخبز، كلاشينكوف. وربما أهدى السيسي سعيّد السلاح نفسه لمنتسبي وزارة الداخلية. وهو ما يحل مشكلة الخبز في البلدين بنظر الحاكميْن.

دلالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *