الرئيسية » المدونة » الدرس الجزائري للعراق

الدرس الجزائري للعراق

أُنصِفَ قائد الجيش الجزائري، أحمد قايد صالح، بعد وفاته في جنازة شعبية غير مسبوقة، وفي اعتذاراتٍ ممن أساءوا الظن به، وهو الذي ختم حياته الحافلة من مجاهدٍ ضد الاستعمار الفرنسي حاميا للمسار الديمقراطي. والواقع أن حماية هذا المسار كانت بالعناد والصمود أمام قوتين فاعلتين، العصابة التي اختطفت الدولة وجعلتها بلا قيادة، والحراك العفوي بلا قيادة. حافظ قايد صالح على مؤسسات الدولة مع وجود “بقايا “العصابة، وحافظ على الحراك من دون انسياق لمطالبه غير الواقعية. وفي النتيجة، مضت الجزائر بوتيرة معقولة في مسار ديمقراطي، يحميه الجيش من غلو الشارع وبقايا العصابة.هذا ما لم يحدث في العراق، مع الفوارق الكبيرة بين البلدين. أفرطت الدولة في العنف وانساق الشارع إلى عنفٍ مضاد. كان في وسع عادل عبد المهدي أن يكون قايد صالح، وهو دستوريا يُمسك بمفاصل الدولة كاملة، لكنه اختار الاستقالة ولحقه رئيس الجمهورية، برهم صالح، ويبدو أنهما سيواصلان قيادة البلاد سنين، وهما في حال استقالة غير نافذة عمليا.


ضعُف العامل الوطني في المعادلة العراقية كثيرا، سواء الشارع المنتفض أم التيار المعتدل في الدولة، والمتحكّم في التطورات هو العامل الدولي والإقليمي، أي الصراع الأميركي الإيراني وامتداداته الإقليمية. ليس أدلّ على ذلك من الاتصالات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية عقب أحداث السفارة الأميركية في بغداد، فقد بحث الوزير بومبيو الموضوع مع رئيس حكومة إسرائيل، نتنياهو وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد وولي عهد السعودية محمد بن سلمان. هكذا بوضوح.


بعيدا عن ضجيج المتظاهرين في بغداد أمام السفارة الأميركية وفي الشارع، لا يوجد طرف مستعد لمحاربة إيران. بعيدا تجري مع الصين وروسيا مناوراتٌ بحريةٌ ضخمةٌ في منطقةٍ ظلت حكرا على النفوذ الأميركي. وفي العراق، تضاعف نفوذها بعد استقالة عادل عبد المهدي. كما أن المليشيات المرتبطة بها مباشرة هي صاحبة اليد العليا، كما بدا واضحا في أحداث السفارة الأميركية.
الاستراتيجية الأميركية المعلنة هي تخفيض القوات الأميركية في العراق وسورية، ولا يبدو أن تغييرا كبيرا سيجري عليها، وإيران معنية ببقاء عدد محدود من القوات الأميركية في العراق، حفاظا على مساحة تفاهم بين البلدين سلما، ومكانا للتصادم حربا بالوكالة. والراجح أن الطرفين يفضّلان التفاهم على التصادم، ومن شاورهم بومبيو ( نتنياهو وبن زايد وبن سلمان) مستعدون لمقاتلة إيران حتى آخر عراقي، لكنهم غير مستعدّين لفتح جبهة معها.


لنتذكّر أن إيران تحتل جزرا إماراتية، وقصفت سفنا لأبوظبي، وضربت شركة أرامكو جوهرة التاج السعودي، ولم تجيّش عليها الجيوش. الإمارات أكبر شريك تجاري لها، والسعودية لم تترُك طرفا لم توسّطه للتفاهم مع إيران عقب قصف “أرامكو”. أما نتنياهو، فهو معنيٌّ بعمليةٍ جراحيةٍ محدودة في إيران، تتعلق بمنعها من الوصول إلى تصنيع سلاح نووي، ولكنه يدرك أن التفاهمات مع إيران هي ما يحمي حدود الاحتلال مع لبنان والجولان، وأن حربا شاملة معها ستشعل جبهاتٍ مجمدة، وستشكل تهديدا غير مسبوق للاحتلال.


بإمكان الشارع العراقي أن يستفيد من التفاهم الإيراني الأميركي، ويحقّق مطالب واقعية، تتمثل في قانون انتخابات، يقود إلى انتخاباتٍ أكثر نزاهة، تفرز طبقةً سياسيةً أقلّ طائفية. وفي الأثناء، يترك المجال لعادل عبد المهدي للحدّ من الفوضى والنفوذ الإيراني على السواء. وحتى لا “نطيش” على شبر ماء، لا يمكن، في المدى المنظور، أن تحتل موقع رئيس وزراء العراق شخصية معادية لإيران. ولكن من الممكن أن يستمر عبد المهدي، وهو الأقل ارتباطا بإيران. وهذا يحقّق مصلحة إيرانية في التفاهم مع أميركا. خلال فترة قصيرة، تمكّن الرجل من الحدّ من نفوذ مليشيات الحشد الشعبي؛ أولا من خلال المرتبات، إذ كانت تُصرف من خلال قادة هذه المليشيات، وهو ما فتح مجالا للفساد، سواء في الإنفاق أو الأفراد الفضائيين (الوهميين). صار المرتّب يُصرَف مباشرة بشكل فردي على البطاقة، وهو ما خفّض أعدادها ونفقاتها. ثانيا إخراج المليشيات من المدن، وصارات تعامل مثل القطاعات العسكرية التي لا تتدخل في الحياة المدنية، مع أنها كانت قبل ذلك تسيطر على مدن وبلداتٍ، وتؤثر في مسار الانتخابات.


يمكن أن يستفيد العراق من تجربة الجزائر (ديمقراطية بالتقسيط المريح)، أو أن يغرق في الفوضى وسط غياب القيادة عن الدولة والشارع، وبقاء البلد ساحةً لحروبٍ دوليةٍ وإقليميةٍ بالوكالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *