الرئيسية » المدونة » الدستور الأميركي الذي يضمن حرية قتل الأطفال

الدستور الأميركي الذي يضمن حرية قتل الأطفال

صحيحٌ أن الهجوم المسلح على المدارس يشكل خصوصية أميركية، غير أن ذلك لا يقلّل من تأثيره على العالم بأسره. كل طفل وكل أم وكل أب هزّتهم مشاهد الهجوم الدموي على المدرسة في تكساس، والذي ذهب ضحيته 19 طفلاً ومدرسان. ويساورهم القلق أن تتكرّر هذا الحوادث في بلادهم، ويعيشوا مشاعر الرعب التي عاشها الآباء الأميركيون، أب ينتظر رسالة من المدرسة تخبره أن ابنه الذي ودّعه صباحاً ضمن القتلى الذين قتلوا بلا سبب. القاتل سلفادور راموس الذي اشترى سلاحه بعد أن بلغ 18 عاماً ليس له سجلّ جنائي، وبحسب أصدقائه في المدرسة، كان أصدقاؤه قلة، ولاحظ أحدهم تغيّراً في سلوكه، عندما بدأ ينشر صور البنادق ويرتدي الملابس العسكرية، ويؤذي نفسه. وتنقل “واشنطن بوست” عن صديق له أنه آذى نفسه بتجريح وجهه، وعندما سأله لماذا يفعل ذلك فقال “من أجل المتعة”.
كما قال بايدن “نادراً ما يحدث ذلك في أي مكان آخر في العالم”. ويعود ذلك، بحسب “الإيكونومست” إلى ثلاثة أسباب؛ أميركا أعلى بلد يمتلك فيه الأفراد سلاحاً (يليها اليمن)، وهي أعلى بلد في نسبة جرائم القتل بالبنادق (غير الحروب)، وهي البلد الوحيد الذي يرفض تغيير القوانين والدستور الخاص بحق اقتناء السلاح، وهذا هو الأخطر، بسبب رفض لوبي السلاح، المدعوم بشكل خاص من الجمهوريين، الموافقة على تشريعاتٍ “للسيطرة على الأسلحة”، وهو ما تحدّث عنه بايدن صراحة في خطابه، وتساءل “متى سنقف بوجه لوبي السلاح؟”. يعتمد اللوبي على التعديل الثاني من الدستور الأميركي الذي يعطي الأفراد حق امتلاك السلاح.
المفارقة أن اليمن الذي يحتل المرتبة الثانية في امتلاك السلاح بعد أميركا لم يشهد هذا النوع من الجرائم، ما يفيد بأن امتلاك السلاح ليس سبباً لارتكاب الجريمة. وعندما وقعت جريمة بافلو، منتصف شهر مايو/ أيار الجاري، التي استهدفت سوداً وقتل فيها عشرة، بادر الرئيس بايدن إلى وصفها بالجريمة العنصرية، ورد عليه الكاتب المحافظ، دانيال هيننغر، في “وول ستريت”، بأن هذه الجرائم تعود إلى “الصحة العقلية”، باعتبارها “الوباء القادم” في أميركا، واعتبر كلام بايدن بأنه “سياسي إلى حد كبير”، وقال في مقاله إن ما بعد “كوفيد” يشهد أزمة “تتفاقم ببطء من المرض العقلي والقلق والاكتئاب والانتحار”، الذي زاد بعد الوباء، وصار يشكل السبب الثاني للوفاة بين الذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 34 عاماً. ويكشف، في مقاله، أن أناساً كثيرين ألجأهم الوباء إلى المخدرات والكحول، وزادت نسبة من يموتون بالجرعة الزائدة 15%، عمّا قبل الوباء. ويرى الكاتب أن “غياب العلاج مع الكحول والمخدّرات يتحوّل إلى عنف” .
ما ذكره الكاتب صحيح، ولا ينفي ما ذهب إليه بايدن، فالضغوط النفسية بسبب “كوفيد” والإغلاق والأمراض النفسية والكحول والمخدّرات من عوامل العنف، لكن ذلك كله لا يلغي العوامل السياسية، كجرائم الكراهية والإرهاب، وقد يحصل تقاطع بينهما. ذلك كله، مع وجود التعديل الثاني من الدستور وسوق السلاح، يفتح الباب لمزيد من الجرائم. ولا يمكن مواجهة الظاهرة بشكل غير متكامل، فزيادة ميزانيات برامج الرعاية الصحية والإنفاق على أبحاث الصحة النفسية، وتأمين العدد الأكبر من الأطباء والمتخصصين والتربية والوعي وتعديل التشريعات، كفيلة بمواجهة الظاهرة.
يُقتل أطفال أكثر خارج أميركا، في فلسطين وسورية واليمن وأوكرانيا، ويمكن وقف قتلهم بقرارات على مستوى مجلس الأمن تحمي المدنيين، وهذا لا يقلّ صعوبةً، على ما يبدو، من تعديل التعديل الثاني من الدستور الأميركي. رحم الله الأطفال بمعزل عن قاتلهم.

دلالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *