الرئيسية » المدونة » الشرف في النقابات

الشرف في النقابات

يشاهد كل هذا الحصار على غزة وكل هذه الدماء ويستورد خضارا وفواكه من المجرمين. مقابل ماذا؟ ملايين؟ ولا يقل عنه سوءا تاجر التجزئة الذي يبيع بضاعة إسرائيلية للناس مقابل ماذا؟ آلاف؟ إنه تشوه خطير في نفسية الإنسان في منطقة تعلي قيم الشرف والمروءة والدين والوطنية. عندما يعودون لبيوتهم هل يخبرون أبناءهم وزوجاتهم أن ما يدخل البيوت هي أموال سحت وحرام ممزوجة بدماء الأبرياء؟

نفتخر بالأكثرية الواسعة من رجال الأعمال والتجار في العالم العربي الذين رفضوا أن يكونوا جسرا للقتلة، بقدر ما نشعر بالخزي من فئة لا يهمها غير زيادة أرصدتها. وهذه الفئة تبحث عن كل ما هو ناقص لزيادة دخلها، وفي العالم اقتصاد كامل مبني على غسل أموال المخدرات والدعارة والسرقات. في موضوع التجارة مع دولة العدو ثمة تجريم أخلاقي قبل كل شيء. الدولة اختلفنا أم اتفقنا معها لها ضرورات وتحركها مصالحها الاستراتيجية الكبرى. في هذا السياق وقع الأردن معاهدة السلام. أما التجار فلا تحركهم إلا مصالح صغيرة بعيدا عن المصالح الكبرى للبلاد.

تتحقق مصالح الأردن عندما يتوحد في مواجهة العدو الذي لم تمنعه المعاهدة من التآمر علينا. وقبل ذلك نحن جزء لا يتجزأ حسب المادة الأولى من دستورنا من الأمة العربية وغزة وكل فلسطين في القلب منها. وعمان يتداعى جسدها سهرا وحمى على كل دم يراق وأرض تقتطع ومستوطنة تبنى في فلسطين. ومعاهدة السلام لا تعني أن نفقد ذاكرتنا ومشاعرنا وشرفنا.

أحسنت النقابات عندما اعتصمت ضد استيراد هذه البضائع المسمومة، وعلى حد قول الزميل الكاتب أحمد أبو خليل فدافعه للتحرك هو الدفاع عن الشرف الأردني. فكم هو مخجل لنا ومضر بتجارتنا الخارجية عندما يُنظر لنا باعتبارنا سماسرة للعدو. وأحسنت وزارة الداخلية عندما قمعت الاعتصام السلمي فضاعفت قيمته الإخبارية!

 لا، لم تحسن. وخالفت أبسط حقوق المواطن الدستورية بحق الاعتصام السلمي. وتمادت عندما اعتدت على النقباء وهم في داخل مركز أمني. اعتذر الوزير وهذه له، لكن أين المحاسبة والتحقيق؟ إذا كان النقباء يتعرضون لمثل هذه المعاملة فكيف بالمواطن العادي, من يعتذر له؟ كسبنا لجنة تحقيق جديدة تظل نتائجها سرية إلى الأبد.

 في المحصلة النتيجة لصالح القضية، فاستيراد الخضار المسمومة لم يعد مسألة تمر مرور الكرام. ولا بد من الاستجابة لمطلب الناس العادل. من حقنا أن نعرف أن هذه البضاعة إسرائيلية ولا يجوز أن نغش ويدلس علينا ونطعم أولادنا سما من دون أن ندري. لو رفعت قضية على هؤلاء التجار فالأرجح لا يوجد ما يجرمهم قانونيا، لكنهم مجرمون أخلاقيا ومعزولون اجتماعيا, وعلى عشائرهم وأهلهم أن يحاسبوهم ويستتيبوهم ويعزلوهم حتى يتوقفوا.

يعرف وزير الزراعة الحالي كيف يتعامل السوق البريطاني مع الزراعة الأردنية. فالمستهلك البريطاني من حقه أن يتأكد من المعاملة العادلة والإنسانية للعمال، تجد المزارع التي تصدر لبريطانيا تؤمن شروطا مهنية وصحية للعامل تخضع للرقابة البريطانية ولو خالفت المزرعة يوقف الاستيراد منها.

المستهلك الأردني يطالب بأقل من ذلك، فليس مشكلة الإسرائيليين وجود عمالة أطفال وإنما قتل الأطفال، وليس استخدام السماد غير المطابق وإنما استخدام الفسفور الأبيض .. في أي عصر نعيش؟؟ لا نريد أن نشارك المجرمين في عدوانهم, وكفى. يا جماعة جنوب إفريقيا قاطعها العالم وهي فعلت أقل مما فعلت إسرائيل. من حقنا أن نعرف منشأ ما يعرض على بسطات الخضار، من حقنا أن نقاطع، من حقنا أن نبصق في وجوه عديمي الشرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *