الرئيسية » المدونة » العراق بين الدعوة والبعث والمتظاهرين

العراق بين الدعوة والبعث والمتظاهرين

أعدم صدّام حسين مفكّر حزب الدعوة، محمد باقر الصدر، وأعدم حزب الدعوة، من خلال رئيس وزرائه، نوري المالكي، صدّام. صحيحٌ أن المالكي هو من وقّع القرار، لكن آخر ما سمعه صدّام حسين كان الهتاف لـ”مقتدى” الصدر ثلاثا. وكأننا في ملحمةٍ قبليةٍ، يأخذ فيها الابن بثأر والده وعمّه. وفي الحالين، إعدام المفكّر الصدر والرئيس صدّام، لم يكن ثمة محاكمة مستقلة ولا سيادة قانون. كانت المحاكمات التي أجراها صدّام تصفياتٍ أمنيةً لخصوم سياسيين، لا تتوفر فيها أدنى شروط المحاكمة، وكذلك تاليا محاكمات صدّام وأركان حكمه. على وقع المظاهرات السلمية اليوم، يتوعّد النائب الذي رشحته ساحات المتظاهرين، فائق الشيخ علي، بإعدام قائد منظمة بدر و”الحشد الشعبي”، هادي العامري. ولم نجد من بين المتظاهرين من يمنع سحل الفتى الذي قتل طعنا، وذبح وعلق جثمانه على مرآهم، كما علقت جثة نوري السعيد قبل أكثر من ستين عاما، وكما علق تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) جثث خصومه، وكما علقت جثث عناصره. وبدورها، تواصل الحكومة أو طرفها الثالث، قنص المتظاهرين وطعنهم واختطافهم.
سيظل العراق طافيا على بركة الدم التي تروى بدماء العراقيين من مختلف الطوائف والأعراق، ما لم يقطع مع الواقع والماضي الدمويين. وإلا فسيكون المستقبل أكثر دموية، مع اختلاف القاتل والقتيل. تبدأ القطيعة مع ثقافة الإقصاء والإلغاء والتهميش، وبناء ثقافة التنوع والاختلاف والاعتراف بالآخر السياسي والفكري والمذهبي والعرقي. والعراق ليس أول بلد يخرج من حرب أهلية، لا نتحدّث عن إسبانيا في السبعينيات، ولكن عن راوندا وإثيوبيا وغيرهما من دول أفريقية في العقد الماضي.


بعيدا عن الكلام الشعاراتي، “نريد وطن” تعني اختباراتٍ صعبة، حتى تثبت صحتها، وكونها صدحت بها حناجر المتظاهرين لا تعني أنها ستتحوّل واقعا. سؤال بسيط: لماذا لا يطالب المتظاهرون بإلغاء قانون اجتثاث “البعث”؟ هم عمليا يطالبون بقانون اجتثاث “الدعوة”، والأحزاب الدينية الحاكمة. المطلوب ألا يجتث أحد، أخطأ حزب البعث في فترة الحكم، سواء في العراق أم سورية (لا يزال يحكمها!)، لكن لأفكاره القومية أنصارا. ما الذي يمنع وجود حزب بعثٍ له فروع ومقرّات وينافس حزب الدعوة على أصوات الناخبين؟ لماذا لا يجرّب العراقيون الاختلاف السلمي، ويقدّمون درسا للعالم مثل راوندا؟


كان الخلاف في راوندا بين قبيلتين، لا بين حزبين، بمعنى أنك تستطيع أن تتخلّى عن حزبك وتغير أفكارك، لا عن قبيلة ورثت دماءها، ومع ذلك تم تجاوز الخلاف. أعلم أن العراق ليس “دعوة” و”بعثا”، لكنهما يرمزان إلى حقبتين في تاريخ العراق الحديث، وهما حقبتان فاعلتان في حاضر العراق ومستقبله. وما لم يقدّم العراقيون تنازلاتٍ مؤلمة، كما قدّمت كل الشعوب التي خرجت من حروبٍ أهلية، فإن بحيرة الدم في اتساع.


بحسب أحدث الدراسات، العقد النفسية تورّث ما لم تعالج، وهذا ما يمكن أن يرد فيه على من يقول إن المتظاهرين والحكومة لا يمثلون “البعث” ولا “الدعوة”. سيرث الجيل الجديد تلك العقد، وسيظل الدم الوسيلة الوحيدة لحل الخلاف السياسي. والخلاف، في النهاية، على السلطة من يحكم؟


لا تكفي المؤسسات لبناء الديمقراطية، فلدى العراق مؤسساتٌ ديمقراطية، مجلس نواب وانتخابات وأحزاب… ولكن لا توجد حتى اليوم ثقافة ديمقراطية، وليس أوضح من ذلك الشعارات المعادية لـ”الأحزاب”، لا نريد أحزابا، وكأنه ترديد لمقولة الدكتاتور معمّر القذافي “من تحزب خان”، وإحياء كذبة الديمقراطية المباشرة “لجان في كل مكان”. على المتظاهرين، ومن يناصرهم تأطير أنفسهم في أحزابٍ قادرة على المنافسة الانتخابية، وهذا ما يهزم الأحزاب الفاشلة.

ببساطة، حاجة النظام الديمقراطي للأحزاب لا تقلّ عن حاجة اقتصاد السوق للشركات. وجود شركات فاشلة لا يعني تحكّم الدولة بالاقتصاد. وكما فشل في الاقتصاد شعار “شركاء لا أجراء” فشل شعار “من تحزّب خان” في السياسة. لذلك لا بد من المنافسة الانتخابية بين حزبي الدعوة والبعث في العراق، لنثبت فشلهما، لصالح “حزب المتظاهرين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *