الرئيسية » المدونة » العشائر.. المفترى عليها

العشائر.. المفترى عليها

عندما تخرجت في مدرسة السلط النخب المؤسسة للأردن القرن الماضي، هل كانت البلد مقطعة موصلة لا عشائر فيها؟ وعندما تأسست الجامعة الأردنية عام 1964، هل كانت في مدينة لا يعرف سكانها أم في قرية الجبيهة التي تسكنها العشائر؟

روى لنا الدكتور أحمد أبوهلال (رحمه الله) وكان قد تخرج في أميركا ستينيات القرن الماضي، كيف أصر من باعه قطعة الأرض جوار الجامعة الأردنية على ألا يقبض الثمن وأن يزيد في مساحة الأرض، لأن أستاذا جامعيا سيجاور الفلاحين البسطاء. طبعا دفع الدكتور ثمن الأرض التي تكفي لبناء منزل، ولم يتحول إلى تاجر عقار.

اليوم، نشكو من “العشائرية”، باعتبارها أحد أسباب العنف الدامي في الجامعات. والفرق واضح بين العشائر باعتبارها شكلاً من أشكال الترابط الاجتماعي الإنساني، وبين “العشائرية” باعتبارها هوية سياسية وثقافية تشظي وتبعثر المجتمع الواحد بناء على اعتبارات موروثة غير مكتسبة، تماما كالفرق بين التدين، قيمة أخلاقية عليا تضبط سلوك المجتمع والأفراد، وبين “الطائفية” التي تعبر عن تعصب بعيد عن أي قيمة أخلاقية. ولذا تجد علمانيين طائفيين متعصبين مقابل متدينين متسامحين غير طائفيين.

في مأساة جامعة البلقاء وما سبقها من أحداث دامية، لم تصل إلى القتل في مختلف الجامعات، غابت تماما قيم البداوة والفلاحين التي تحلت بها عشائر المنطقة. ولم تحضر في المقابل قيم الجامعات الحديثة التي تقوم على ارتباط الطالب بهوية جديدة سواء كانت تخصصا أم سنة جامعية أم حزبا سياسيا أم مذهبا فكريا.

لا توجد أيديولوجيا “عشائرية” يمكن درسها ومناقشتها والاختلاف معها والاتفاق عليها. توجد مساحة كذب وادعاء يصعب تحديدها في المسألة العشائرية. فالذين يستثمرون فيها مثل الذين يستثمرون في الطائفية. فهم نتيجة فشلهم وتدني قدرتهم العقلية وسوء سلوكهم يتدثرون برداء يستر كل ذلك.

إسدال ستار”العشائرية” في الجامعات على جرائم العنف الدامي والتعصب وسوء الخلق، إساءة للعشائر الأردنية قبل أي شيء. وهو الستر الضافي أيضا على واقع التردي في الحياة النيابية. فحتى لا نقول إن نائبا لا يحمل فكرا سياسيا، وكل همه في الدنيا استرضاء وزير فاشل من أجل الحصول على منفعة صغيرة تختصر ذلك وتقول “نائب عشائري”. فهل كان الرواد في الحياة النيابية الذين أسقطوا حكومات نكرات لا تعرف أصولهم؟

نحتاج إلى العشائر رباطا إنسانيا اجتماعيا، مفتوحا على فضاء المواطنة، وخاضعا للدستور والقانون. وفي الجرائم من قتل أو سرقة أو اعتداء دور العشيرة هو المساهمة في دفع الدية والتعويض عن الاعتداء لا الإسراف في القتل والعدوان.

نحتاج إلى العشائر التي بنت مدرسة السلط قبل قيام الدولة، ونحن بغنى عن “العشائرية” التي تعيث فسادا في الشوارع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *