أخبار

الغلاء يؤجج الشارع المغربي: احتجاجات معيشية في رمضان

لم يمنع شهر رمضان خروج احتجاجات شعبية ضد الغلاء وتدهور المعيشة في عشرات المدن المغربية وسط مساعٍ حكومية لطمأنة الشارع على الأوضاع الاقتصادية للبلاد، وتأكيد تلبية احتياجات الأسواق ومواجهة التضخم المرتفع.
وتأتي التظاهرات في وقت يضرب التضخم البلاد، الأمر الذي عرض الحكومة لانتقادات النقابات والمعارضة البرلمانية ووسائل الإعلام المحلية ومؤسسات المجتمع المدني.
وشهدت أكثر من 60 مدينة مغربية، منها طنجة وتطوان (شمال) وآسفي (غرب) ومراكش وبني ملال (وسط) ووجدة (شرق) والدار البيضاء ومكناس (شمال) والرشيدية (جنوب شرق) وورزازات (جنوب)، مساء أول من أمس السبت، تجمع المئات في الساحات العمومية في وقفات احتجاجية دعت إليها “الجبهة الاجتماعية المغربية” تحت شعار “نضال متواصل ضد الغلاء والقهر الاجتماعي، من أجل مطالبة الدولة باتخاذ التدابير اللازمة والفورية من أجل تخفيض أسعار الخضر والفواكه والأسماك واللحوم وباقي المواد الغذائية الأساسية إلى سابق عهدها” وفق بيان المنظمين.

ولم تفض وعود الحكومة بمحاصرة الغلاء الجامح والتلويح بمحاربة المضاربين ودعوتها للمنتجين إلى اعتماد أسعار معقولة للخضر والسلع الغذائية إلى شئ، ولذا ذهبت إلى التأكيد على الطابع المستورد للتضخم وأن الغلاء لأسباب خارجية، من أجل استئصال مخاوف الأسر التي تعبر عن ضيقها من تضرر قدرتها المعيشية وتآكل قدرتها الشرائية.أسواق

التضخم في المغرب: سجال الأولوية بين كبحه ودعم النموّ

ومرة أخرى كان الغلاء السبب الرئيسي الذي دفع مغاربة إلى تنظيم وقفات احتجاجية لم تقتصر على الأسعار، بل شملت حتى الخدمات العمومية.
في هذا الإطار انتقدت الجبهة الاجتماعية المغربية مرات عدة “الغلاء الخطير وغير المسبوق للمواد الغذائية الأساسية وعلى رأسها اللحوم والأسماك والخضر”، إلى جانب انتقاد “الغلاء الفاحش وغير المبرر لأسعار المحروقات المستمر رغم انخفاض ثمن البترول على الصعيد الدولي”.
وطيلة الفترة الماضية، دعت الجبهة إلى تعبئة المواطنين تحت شعار: “قهرتونا” و”باركا من الحكرة”، للمشاركة بفعالية في الوقفات التي احتضنتها المدن المغربية.
وفي العاصمة الرباط، نظمت “الجبهة المغربية الاجتماعية” وقفة احتجاجية أمام مقر البرلمان، مساء أول من أمس، رفع خلالها مئات المحتجين لافتات رافضة ومنددة بارتفاع الأسعار من قبيل: “موحدون ضد الغلاء وضد تفقير شعبنا”، “كيف تعيش يا مسكين والمعيشة دارت جنحين”،” باركا من الغلاء جيب الشعب راه خوا (أصبح خاويا)”،” بلادي ساحلية والسردين غالي عليا”.
وفي الدار البيضاء، عبر أكثر من 60 شخصا في ساحة السراغنة عن “سخطهم” حيال ارتفاع تكاليف المعيشة، حسب وكالة الأنباء الفرنسية. وقال فؤاد (21 عاما)، الذي شارك في الاحتجاج بدعوة من الجبهة الاجتماعية، وهي ائتلاف أحزاب يسارية ونقابات: “لم أعد أستطيع التحمل. الحياة أصبحت صعبة بسبب ارتفاع الأسعار. أشعر أنه لم يعد لدي مستقبل”.
وقفزت أسعار الخضر والفواكه واللحوم بمختلف أنواعها والأسماك والتمور في المغرب إلى مستويات قياسية في بداية شهر رمضان. وبلغ معدل التضخم 9.4% في الربع الأول من 2023، مقابل 4% في الفترة نفسها من العام الماضي، حسب المندوبية السامية للتخطيط. وزاد التضخم مع الارتفاع الكبير في أسعار المنتجات الغذائية (18.2%) في شهر رمضان، الذي عادة ما يرتفع فيه مستوى الاستهلاك.

ضغط الغلاء
تضم الجبهة الاجتماعية الداعية لتنظيم احتجاجات ضد الغلاء أحزابا وجمعيات ونقابات، ودعت إلى احتجاجات السبت تحت شعار “ضد الغلاء والقهر الاجتماعي”.
واعتبر المنسق الوطني للجبهة الاجتماعية، يونس فيراشين، في سياق الدعوة إلى الخروج للاحتجاج، أن ذلك يبرره الغلاء الذي لم يشهد له المغاربة مثيلا منذ 30 عاماً، مؤكداً أن ذلك يحدث في ظل تجاهل الحكومة لأوضاع الأسر المتدهورة.
وأضاف في تبرير الدعوة للوقفات الاحتجاجية، أن الغلاء ليس سببه فقط التضخم المستورد كما تقول الحكومة، بل يعزى إلى المضاربة في السوق، وعدم فعالية السياسة الزراعية وقصورها عن تلبية حاجيات الأسر، ما يبرر الخروج من أجل التعبير عن الغضب بشكل سلمية.
ويرى فيراشين أن الحكومة لم تتخذ تدابير بهدف التخفيف عن الأسر التي تعاني من تداعيات التضخم، مشيرا إلى أن ذلك يأتي في سياق تحقيق شركات، مثل تلك العاملة في الوقود، أرباحا كبيرة.
ويأتي تنظيم هذه الوقفات الأخيرة ضد الغلاء في سياق نقاش حاد حول العوامل التي أفضت إلى ارتفاع الأسعار في الفترة الأخيرة، حيث تضاربت التقديرات بين من يعتبر مصدره خارجيا، ومن يؤكد سببه الداخلي.

زحف التضخم
لاحظت المندوبية السامية للتخطيط الحكومية في تقريرها حول الظرفية الاقتصادية في نهاية الأسبوع، استمرار تصاعد أسعار الاستهلاك، حيث وصل إلى 9.4% في الربع الأول من العام الحالي، مقابل 8.4% في الربع الأخير من العام الماضي.اقتصاد عربي

ضجة في المغرب بسبب أرباح الصيدليات

وتعتبر المندوبية أن كل من الخضراوات الطازجة واللحوم والزيوت ساهمت في ارتفاع التضخم الكلي بأكثر من نقطة واحدة في الربع الأول من العام الجاري، في ظل تسجيل ضعف للتساقطات وزيادة تكاليف الإنتاج المرتبطة بالحبوب وأعلاف الماشية.
وتعتبر وزارة الزراعة أنه يجب تدبير التناقض بين السياسة الفلاحية التي يفترض أن تؤمن أسعارا جذابة لتشجيع المنتجين، والسياسية الغذائية التي يجب أن تتجه نحو الإبقاء على أسعار السلع الغذائية عند أدنى مستوى ممكن للمستهلكين.
ويشير التقرير الأخير للبنك الدولي حول تأثيرات التضخم على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى أن المغرب كما مصر يشهد معدلاً غذائياً في حدود 6.4%، حيث يصل عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي 2.4 ملايين شخص.

مساع للطمأنة
دفعت الوضعية الحالية من غلاء فاحش للأسعار رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، إلى عقد اجتماعات مع منتجي ومصدري الخضر والفواكه، حيث دعاهم إلى ضمان عرض من السلع بأسعار معقولة والتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار على الأسر، مشدداً على حرص الحكومة على ضمان التوازن بين الطلب والعرض وتزويد السوق المحلية.
وحاول المهنيون تحميل مسؤولية الغلاء للوسطاء والتغيرات المناخية، فقد ذهب رئيس الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية، رشيد بنعلي، بعد اجتماع يوم الجمعة الماضي مع رئيس الحكومة، إلى أنّ الفلاح يبيع منتجات مثل البصل والبطاطس بأقل من درهمين، مشيراً إلى أنّ ارتفاع الأسعار يعزى إلى سيطرة وسطاء على السوق.
واعتبرت جمعية منتجي ومصدري الفواكه والخضراوات أنّ ارتفاع الأسعار مرده إلى الزيادة التي شهدتها تكلفة الإنتاج ومنها أسعار الأسمدة والمبيدات والطاقة والنقل واليد العاملة وتعميم التغطية الاجتماعية والتغطية الصحية الإجبارية.
وقد بادر منتجو ومصدرو الخضراوات والفواكه إلى التظلم لدى رئيس الحكومة، حيث اشتكوا من أزمة سببها الجفاف وموجات الحرارة والبرد وارتفاع أسعار الإنتاج بـ100% وتراجع مستويات المردودية وتقلص المساحات الموجهة للطماطم.

تعتبر وزارة الزراعة أنه يجب تدبير التناقض بين السياسة الفلاحية التي يفترض أن تؤمن أسعارا جذابة لتشجيع المنتجين


واشتكوا من تعليق تصدير الطماطم، حيث يرون أن التصدير يساهم في خفض الأسعار في السوق المغربية، مشتكين من منع تصدير الطماطم، علما أن وزير الفلاحة محمد الصديقي كان أكد أن تموين السوق المحلية يأتي في المقام الأول.

إعادة توجيه السياسة الفلاحية
وضعية السوق في الأشهر الأخيرة، استنفرت مجلس النواب الذي عمد إلى تنظيم مهمة استطلاعية حول شبكات توزيع المنتجات الزراعية، حيث أشارت إلى أن تعدد الوسطاء والمضاربين في السوق وارتفاع أسعار المدخلات، أسباب رئيسية لارتفاع أسعار السلع الغذائية.
غير أن وزارة الصناعة والتجارة، تعتبر أنه يمكن تعديل القانون الذي ينظم مهنة الوسطاء من أجل خفض عددهم، بعدما أقرت بأن نموذج تدبير أسواق الجملة متجاوز، إذ تقترح التوجه نحو الرقمنة وتحويل تلك الأسواق إلى بورصات بهدف تحديد السعر الحقيقي للسلع.
ويعتبر الخبير في المالية العمومية، محمد الرهج، في حديثه لـ”العربي الجديد” أنه يتوجب التفكير في إعادة توجيه السياسة الفلاحية في اتجاه الاستجابة للحاجيات الأساسية للسكان، عوض الانشغال أكثر بالمنتجين والتركيز على التصدير كما في الأعوام السابقة.
ورغم تأكيد مؤسسات وخبراء أن التضخم له علاقة بالإنتاج الداخلي، إلا أن الرهج يلاحظ أن الحكومة تمضي في التشديد على أنه مستورد، محملة ارتفاع الأسعار للمضاربين، معبرا عن التطلع إلى ضرورة تقديم الحكومة إجابات واضحة للمواطنين في ظل ارتفاع الأسعار والتي تنهك القدرة الشرائية للأسر.
ويذهب الخبير في القطاع الزراعي وعضو حركة “فيا كامبيسينا” التي تسعى إلى الدفاع عن سياسة فلاحية تضمن السيادة الغذائية، محمد الهاكش، إلى أنه يجب التركيز على المزارعين الصغار والمتوسطين لضمان محاصيل تستجب لحاجيات المستهلكين، بدل التركيز على التصدير.
ويتصور الهاكش في حديثه لـ”العربي الجديد” أن الأزمة الصحية وتداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا تفرض الانتقال من مفهوم الأمن الغذائي إلى السيادة الغذائية، ما يعني التوجه نحو تأمين الحاجيات الأساسية التي تشكل جوهر احتياجات الأسر مثل الحبوب والزيوت واللحوم والسكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *