الرئيسية » المدونة » المسيحيون بين مصر والأردن

المسيحيون بين مصر والأردن

في الجسد العربي المعتل يبدو وضع المسيحيين في الأردن نموذجيا. ومع ذلك يصدر تقرير عن الخارجية الأميركية ينتقد الحريات الدينية في الأردن. طبعا، سينبري كثير من النشامى للرد على التقرير مضمونا وتوقيتا. وسينسى المتحمسون أن الولايات المتحدة أكثر دولة تقدم مساعدات عسكرية ومالية للأردن ولا مصلحة لها في إذكاء الفتن في بلد حليف.

تعكس تلك التقارير العقلية الغربية التي تتعامل مع الدين باعتباره ” فكرا ورأيا” بمعزل عن أي حساسيات. فمن حق المنصّرين أن ينشطوا ومن حق المسلمين أن يبدلوا دينهم إلى المسيحية، تماما كما أن من حق الدعاة المسلمين أن ينشطوا ومن حق المسيحيين أن يبدلوا دينهم إلى الإسلام. تلك العقلية تعني باختصار اندلاع حروب أهلية في غضون 24 ساعة لو أن الجهات الرسمية استجابت لها. فالمسلمون والمسيحيون في المنطقة يعني عندهم تبديل الدين عملا من أعمال الخيانة والخروج على الإجماع والمتعارف عليه.

يوجد سياق تقرأ فيه الظواهرالدينية في المنطقة، فالمسيحية هنا ليست نتاج تبشير، بل هي النسخة الأصلية التي انتقلت إلى العالم الغربي، وفي تاريخ الأردن أن عمرو بن فروة الجذامي أمير معان أسلم قبل الفتح، وقتله الروم صلبا في عين عفرا، وأبناء هذه المنطقة كانوا يوما على المسيحية وتحولت أكثريتهم إلى الإسلام، والمسيحية لم تكن يوما هدية الرجل الأبيض القادم من الغرب. في الدولة الحديثة لم يكن المسيحيون في الأردن “أقلية”، كانوا جزءا من الأكثرية العربية التي يعرف الأردن نفسه في الدستور بأنه جزء منها. وعندما يقول الدستور إن دين الدولة الإسلام فهذه ليست طائفية تعزلهم، فالإسلام ثقافة وحضارة مكون أساسي في شخصية العربي المسيحي. ولم تترك الأمور لحسن النية، بل حمى القانون الخصوصية الدينية من خلال نظام الحصص الانتخابي.

إضافة إلى الحصة المحددة في مجلس النواب حافظ المسيحيون على حضور مؤثر في السياسة سواء في شقها الرسمي فوصلوا إلى مناصب عليا في الدولة ( نائب رئيس وزراء، وزراء بلاط وخارجية..)، تماما كالحضور القوي في المعارضة أحزابا ونقابات. وبموازاة ذلك ثقل اقتصادي في الشركات والمصارف وفكري في الجامعات والصحافة.

ذلك كله نجاح يسجل للمجتمع والدولة، تماما كما تسجل المأساة الماثلة في مصر فشلا للمجتمع والدولة في مصر. وكما يتشارك المسيحيون والمسلمون النجاح في الأردن يتشارك المصريون في الفشل، ويتحمل الجميع المسؤولية. فلا يقبل أن يطلب القبطي حقه في المواطنة من واشنطن، ولا يعقل أن تسيل دماء بريئة لمحتجين على يد الشرطة المصرية. في الكارثة المحدقة بمصر علينا أن نعيد النظر بقضية الدولة الكبيرة والدولة الصغيرة. فالأردن هنا يكبر، لأنه يقدم نموذجا في المواطنة والتسامح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *